ماذا يحدث في النيجر؟ - عين ليبيا

من إعداد: محمد عمران كشادة

بعد أكثر من 3 سنوات من الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم في 26يوليو 2023م ، تبدو النيجر أمام محاولة انقلاب جديدة ،حيث تناقلت وسائل الإعلام اخبار عن حدوث حركة تمرد في مدينة نيامي عاصمة النيجر السبت 29 اغسطس 2026م وتحديدا في مطار المدينة والقاعدة العسكرية رقم 101، كما حدثت اشتباكات ما بين قوات المتمردين وقوات الحرس الرئاسي النيجري في أكثر من موقع في العاصمة نيامي، وعلى الرغم من إعلان السلطات الحاكمة عن احتواء التمرد وفشل الانقلاب، الا أن هذا الحدث مهم جدا ويطرح عدة تساؤلات عن توقيته ، والجهة الخارجية الداعمة لهذه المحاولة الانقلابية الفاشلة، وهو مؤشر على أن النيجر قد تدخل في حالة من عدم الاستقرار السياسي ، وعودة شبح الانقلابات العسكرية الذي عانت منه البلاد لعقود.

ونحن في ليبيا معنين بما يحدث في النيجر ليس لأننا نتشارك معها حدود تبلغ 350كم فقط ، وما تمثله تلك الحدود من تحديات الهجرة غير النظامية ، والجريمة المنظمة ، ونشاط الجماعات المتطرفة ، والتهريب. بل لأن النيجر تمثل أيضا فرص واعدة للاقتصاد الليبي ، ففي عهد الرئيس محمد بازوم بدأت حكومة الوحدة الوطنية في توطيد العلاقات الاقتصادية مع النيحر ، وتم إقامة معرض صنع في ليبيا في دورته الثانية في نيامي في مارس 2023م حيث شاركت في المعرض عدد كبير من الشركات الليبية ورجال الأعمال ، وكان الهدف منه هو تعزيز التعاون الاقتصادي مع النيجر ، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الليبية ،كما أن النيجر تمثل طريق مد أنبوب الغاز من نيجيريا نحو ليبيا ثم أوروبا ، وهو مشروع استراتيجي طموح إذا ما ابصر النور ، والنيجر تمثل أيضا أحد ممري العبور نحو افريقيا حيث من المفترض حسب مشروع محفظة ليبيا افريقيا للاستثمار أن يمر المسار الاول للعبور نحو افريقيا انطلاقا من مدينة مصراتة إلى تمنهنت ثم اغاديس في شمال النيجر ومنها إلى مسارات آخرى في دواخل افريقيا، لهذا فنحن الليبيين معنيين بالاستقرار في هذا البلد الافريقي الجار، والنيجر بالنسبة لنا هي عمق استراتيجي ، ومجال حيوي لنفوذ الدولة الليبية والتاريخ شاهد على ذلك . ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما كانت ليبيا تابعة للدولة العثمانية حدد العثمانيون في مراسلاتهم الرسمية مع فرنسا وبريطانيا حدود الهنتر لاند الليبي ومن ضمنه النيجر كمجال حيوي لنفوذ الدولة الليبية، كما كان للدولة الليبية في العهد القر ه مانلي والعهد العثماني الثاني علاقات سياسية وتجارية مع الممالك الإسلامية القائمة على أرض النيجر ،هذا بالإضافة إلى نشاط الحركة السنوسية القوي في دول جوارنا الافريقي ومنها النيجر ، ودورها في نشر الإسلام ومقاومة الاستعمار الأوروبي في المنطقة.

كل ذلك يؤكد بأننا نحن الليبيين لسنا غرباء عن النيجر ، ويجب أن يكون لنا على أرضها حضور قوي وفاعل . ومن الملفت للنظر في هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة هو التدخل العسكري الجزائري المباشر لدعم السلطة الحاكمة في النيجر ، حيث أرسلت الجزائر قوة عسكرية إلى النيجر بناء على طلب من سلطات النيجر ، كما ساهمت روسيا من خلال الفيلق الروسي الموجود في النيجر في إفشال المحاولة الانقلابية ، أن هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة وما صاحبها من تدخل روسي وجزائري تعطي مؤشرات قوية على وجود صراع دولي واقليمي على النفوذ في النيجر ، وهنا يطرح سؤال مهم: ما هو موقف حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا مما يحدث في النيجر ، وما هي السياسات التي سيتم اتباعها لضمان مصالح الدولة الليبية في النيجر ؟.

لا شك بأن المشروعات الاستراتيجية التي تريد الدولة الليبية أن تنفذها في النيجر تحتاج إلى استقرار ، والى تحالفات مع القوى السياسية الحاكمة والمجتمعات المحلية خاصة القبائل ذات الأصول الليبية والعربية في شمال النيجر ، وفي بلد قد عاد إليه شبح الانقلابات العسكرية مما ينذر باحتمال عدم الاستقرار ، أو حدوث تغيرات سياسية في شكل السلطة الحاكمة في أي وقت ، يصبح التحدي كبير أمام الدولة الليبية لضمان مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يستدعي وضع استراتيجية أمنية للتعامل مع تطورات الأوضاع في النيجر ، وعدم الارتهان لمواقف ردات الفعل ، ومفاجآت الأحداث.

علينا بأن نستوعب الدروس مما حدث في النيجر ، ففي الوقت الذي كنا نوثق فيه علاقاتنا الاقتصادية مع النيجر في عهد الرئيس محمد بازوم ، جاء الانقلاب العسكري في يوليو 2023م ليهدد مصالحنا ، وعلى الرغم من أن حكومة الوحدة الوطنية قد فتحت قنوات التواصل مع السلطة الجديدة الحاكمة في النيجر ، الا أن ذلك لا يكفي في ظل احتدام الصراع الدولي والإقليمي على النيجر ، ولا شك بأن الدولة الليبية تملك الادوات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتعزيز حضورها في النيجر ، وان ما تحتاجه فقط هو وجود الإرادة السياسية لذلك .



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا