ماكرون يبدأ جولة خليجية.. وزير فرنسي: الدولة لم تعد موجودة - عين ليبيا

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين 19 أكتوبر 2026، إلى الكويت، في مستهل جولة خليجية تشمل الإمارات والبحرين وقطر، وتركز على أمن الطاقة وحرية الملاحة في مضيق هرمز وتعزيز الشراكات الاقتصادية والدفاعية، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الداخلية على حكومته عقب احتجاجات واسعة وأعمال شغب ونهب شهدتها مدن فرنسية عدة.

وأفاد التلفزيون الكويتي بوصول ماكرون إلى البلاد، وبث مشاهد لاستقبال أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح له.

وقال قصر الإليزيه، في بيان، إن الرئيس الفرنسي يزور الكويت والإمارات والبحرين وقطر خلال الفترة من 19 إلى 21 أكتوبر الجاري، لمواصلة التنسيق مع قادة المنطقة بشأن استعادة الاستقرار وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب تعزيز الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية بين فرنسا ودول الخليج.

وتأتي الجولة بعد نحو ثمانية أشهر من اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في 28 فبراير الماضي، وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز على مستوى العالم.

وأوضح الإليزيه أن محادثات ماكرون مع قادة الدول الأربع ستتناول أمن إمدادات الطاقة الفرنسية وتنويع مصادرها وضمان سلامة طرق نقلها، بهدف الحد من تداعيات أزمة الطاقة على الحياة اليومية للفرنسيين.

وتسعى باريس إلى تأمين كميات إضافية من النفط والديزل، بما يمكن أن يسهم في خفض أسعار الوقود، إلى جانب بحث مسارات بديلة لنقل الإمدادات التي تأثرت باضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.

وتشمل أهداف الجولة تعزيز الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية، وتوسيع حضور الشركات الفرنسية في الأسواق الخليجية، وتشجيع الاستثمارات الخليجية في فرنسا، فضلًا عن بحث التعاون في مجالات الدفاع والأمن والتكنولوجيا والقضايا الإقليمية والدولية.

ويستهل ماكرون جولته بزيارة الكويت، حيث يلتقي أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، لبحث التعاون في مجالات الدفاع والبنية التحتية والصحة، ومن المقرر أن تشهد الزيارة مراسم توقيع اتفاقيات بين البلدين، من دون الكشف عن تفاصيلها.

وفي وقت لاحق الاثنين، يتوجه الرئيس الفرنسي إلى الإمارات للقاء رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وبحث التعاون في الدفاع والأمن والتكنولوجيات الحديثة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي.

وينتقل ماكرون الثلاثاء إلى البحرين، حيث يلتقي ملك البلاد حمد بن عيسى آل خليفة، لبحث العلاقات الاقتصادية والدفاعية، مع التركيز على الاستثمارات البحرينية في فرنسا.

وفي اليوم نفسه، يتوجه إلى قطر في زيارة دولة تلبية لدعوة أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. ووفق الإليزيه، تستهدف الزيارة تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين باريس والدوحة، وتكثيف التعاون الاقتصادي والدفاعي، ومواصلة التنسيق بشأن الملفات الإقليمية والدولية.

وتندرج الجولة ضمن التحركات الدبلوماسية الفرنسية الرامية إلى حماية إمدادات الطاقة ودعم استعادة حركة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع دول الخليج.

وفي الداخل الفرنسي، يواجه ماكرون ضغوطًا سياسية وأمنية عقب موجة احتجاجات واسعة اندلعت السبت، على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وتحولت في عدد من المدن إلى مواجهات عنيفة وأعمال تخريب ونهب وإحراق للممتلكات.

وأقر الرئيس الفرنسي بوجود إخفاقات في الاستعداد المسبق وجمع المعلومات الاستخباراتية، لكنه رفض استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، الذي عرض التنحي عقب أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات.

وقال قصر الإليزيه، الاثنين، إن ماكرون طلب من نونيز الاستمرار في منصبه، مشددًا على ضرورة الحفاظ على استمرارية القيادة والتسلسل القيادي داخل الشرطة وقوات الأمن في ظل الظروف الراهنة.

وأضافت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس كلف وزير الداخلية بوضع أساليب عمل جديدة لقوات الأمن الداخلي على الأرض في أسرع وقت ممكن، لمواجهة المخربين ووضع حد لإقامة المتاريس وأعمال النهب.

ونقلت وكالة رويترز عن الإليزيه أن ماكرون طلب من الوزير مواصلة مهامه، رغم عرضه الاستقالة على خلفية ما وصفه بالمسؤولية عن الإخفاقات التي رافقت التعامل مع الاضطرابات.

وقال نونيز إنه عرض استقالته على الرئيس لأنه شعر بالمسؤولية عما حدث، وأقر بوجود قصور في التوقع والاستعداد قبل الاحتجاجات، كما أشار إلى أن الشرطة فقدت السيطرة في بعض المدن خلال المواجهات العنيفة التي اندلعت في أنحاء البلاد مطلع الأسبوع.

وذكر وزير الداخلية أن السلطات أوقفت 350 شخصًا في باريس يوم الأحد وخلال الليل، على خلفية أعمال العنف المرتبطة بالاحتجاجات.

وأوضح أن نحو 60 ألفًا من عناصر الشرطة والدرك انتشروا في أنحاء فرنسا السبت. وللمقارنة، حشدت السلطات 80 ألف عنصر خلال احتجاجات السترات الصفراء في 8 ديسمبر 2018، فيما بلغ العدد 89 ألفًا خلال حركة «لنغلق كل شيء» قبل عام، وفق الأرقام الواردة في التقارير.

وانتقد نونيز بعض المسؤولين السياسيين من دون تسميتهم، قائلًا إنه يتحمل نصيبه من المسؤولية، لكن النقاشات بشأن الإخفاقات الأمنية يجب ألا تصرف الانتباه عن مرتكبي التخريب والنهب وعن نشطاء من أقصى اليسار، بحسب تعبيره.

واتهم الوزير بعض المسؤولين السياسيين اليساريين بعدم إدانة الاعتداءات العنيفة على قوات الأمن بالحزم المطلوب.

من جانبه، أقر وزير العدل جيرالد دارمانان بأن السلطات أخفقت، على الأرجح، في مواجهة أعمال العنف، مشيرًا إلى وجود خلل في المعلومات الاستخباراتية.

وقال دارمانان إن أجهزة الاستخبارات الفرنسية تتمتع بقدرات قوية في مكافحة الإرهاب الإسلاموي والجريمة المنظمة والتدخلات الأجنبية، لكنه رأى أنها لا تتعامل بالكفاءة نفسها مع عناصر أقصى اليسار.

وأضاف أن العناصر المتمردة من أقصى اليسار يمكن أن تشكل أحد التهديدات التي تواجه فرنسا خلال السنوات المقبلة، محذرًا من محاولات تستهدف زعزعة استقرار المؤسسات.

ووصف وزير شؤون المدن فنسان جانبرون أعمال العنف بأنها «شكل من أشكال التمرد»، وربط جانبًا من النشاط الإجرامي في بعض الأحياء بما قال إنه اتجار بالمخدرات.

وردا على سؤال بشأن ما إذا كانت مجموعات إجرامية من الضواحي عاثت فسادًا في أجزاء من البلاد، قال جانبرون إن جزءًا صغيرًا من الأحياء الشعبية يؤوي أنماطًا من الإجرام تتغذى، على حد وصفه، على أنشطة تجار المخدرات.

وشهدت باريس ومدن فرنسية أخرى اشتباكات بين المحتجين والشرطة، فيما حطم شبان متاجر وأضرموا النيران في مركبات ومحطات للنقل العام ومبانٍ، وتعرضت منشآت حكومية ومراكز شرطة للاعتداء.

واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية وخراطيم المياه لتفريق مثيري الشغب، بينما تدخل رجال الإطفاء لإخماد الحرائق في عدد من المواقع.

وفي العاصمة باريس، تجددت التوترات الأحد في محيط ساحة الجمهورية، حيث نشرت الشرطة وحدة «سي آر إس 8» المتخصصة في مكافحة العنف في المناطق الحضرية.

وقالت مديرية شرطة باريس إن دعوات انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم تجمع غير مرخص، موضحة أنها أجرت عمليات تفتيش ونشرت تعزيزات لضمان سرعة التدخل.

وشهدت المنطقة نهب متجر للملابس وإلقاء مقذوفات باتجاه قوات الأمن، التي ردت باستخدام الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، فيما تدخل رجال الإطفاء لإخماد الحرائق. وأكدت الشرطة، في المقابل، تنظيم تظاهرات مرخصة في أماكن أخرى.

وامتدت الاحتجاجات إلى مواقع رمزية ومؤسسات عامة، إذ أغلق محتجون مدخل متحف اللوفر، احتجاجًا على ما وصفوه بقمع الشرطة، في أحدث تصعيد للتحركات التي تشهدها البلاد منذ أيام.

كما أشار المرشح اليساري المحتمل للانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، رافائيل غلوكسمان، إلى أن الاضطرابات تعكس أزمة في قدرة الدولة على فرض النظام.

وقال غلوكسمان خلال مقابلة إن الانطباع السائد هو أن الدولة لم تعد موجودة، وإن البلاد تشهد هجومًا على الجمهورية.

واستشهد بحادثة إضرام النار في مبنى بلدية ليموج، وإسقاط تمثال نصفي لماريان، رمز الجمهورية الفرنسية، داخل مبنى بلدية مارسيليا بعدما اقتحمه محتجون.

وفي كلمة متلفزة مساء الأحد، شدد ماكرون على أن «لا شيء يبرر» أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات، متعهدًا بمحاسبة المسؤولين عن التخريب والنهب.

وقال الرئيس الفرنسي إن الجميع يشعر بالغضب والعار، داعيًا إلى التمييز بين المطالب المشروعة للمحتجين وبين مرتكبي الاعتداءات وأعمال التخريب.

كما تعهد بالشفافية الكاملة بشأن استراتيجية حفظ الأمن، في وقت تتواصل فيه التساؤلات بشأن استعداد الأجهزة الأمنية وحجم المعلومات التي امتلكتها قبل اندلاع أعمال العنف.

وتباينت تقديرات أعداد المشاركين في الاحتجاجات والموقوفين والمصابين بين التقارير الواردة. فقد تحدثت مواد عن مشاركة أكثر من نصف مليون شخص في التظاهرات التي شهدتها عشرات المدن الفرنسية، فيما أشارت تقديرات أخرى منسوبة إلى وزارة الداخلية إلى مشاركة نحو 800 ألف شخص.

وذكرت حصيلة أعلنتها وزارة الداخلية مساء الأحد اعتقال نحو 2400 شخص، وإصابة أكثر من 997 من عناصر الشرطة والدرك، بينهم سبعة أصيبوا بجروح خطيرة، فيما أفادت تقارير أخرى بتوقيف أكثر من 1800 شخص في أنحاء البلاد.

كما وردت حصيلة منفصلة تشير إلى توقيف نحو 350 شخصًا في باريس يوم الأحد وخلال الليل. وتعكس هذه الأرقام حصائل وردت في تقارير مختلفة، ولم تتضمن المواد الأصلية توضيحًا موحدًا لتوقيت إغلاق كل حصيلة أو نطاقها الجغرافي.

وأفادت التقارير كذلك بوفاة متظاهر إثر إصابته بسكتة قلبية خلال مظاهرات في باريس.

وتركزت المطالب الاحتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية والخدمات العامة، فيما تداخلت الحركة الطلابية المستمرة منذ نحو شهر مع موجة أوسع من الغضب الاجتماعي.

وفي سياق متصل، دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير يهود فرنسا إلى الهجرة إلى إسرائيل، مستغلًا الاحتجاجات وأعمال الشغب التي تشهدها البلاد.

وقال حزب «القوة اليهودية» اليميني المتطرف، في بيان، إن بن غفير ألقى كلمته خلال مؤتمر للجالية اليهودية الفرنسية في مدينة نتانيا وسط إسرائيل، بحضور مئات من مؤيدي الحزب.

وزعم بن غفير أن هناك أشخاصًا في فرنسا يسعون إلى إلحاق الضرر بإسرائيل، داعيًا الحكومة الفرنسية إلى مراجعة سياساتها وسلوكها تجاه هؤلاء، من دون تقديم تفاصيل إضافية تدعم اتهاماته.

ووجه الوزير الإسرائيلي رسالة إلى يهود فرنسا دعاهم فيها إلى العودة إلى إسرائيل، قائلًا إن إسرائيل هي وطنهم وبيتهم، وفق ما نقلته التقارير.

وتأتي دعوته في وقت تشهد فيه فرنسا احتجاجات على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود، رافقتها أعمال عنف ونهب في بعض المدن، وسط انتشار أمني واسع.

وتقدر المواد الواردة عدد اليهود في فرنسا بأكثر من 450 ألف شخص، من أصل نحو 69 مليون نسمة، وتشير إلى أن دعوات مسؤولين إسرائيليين للهجرة إلى إسرائيل تتكرر خلال فترات الاضطرابات والتوترات.

وفي سياق العلاقات الفرنسية الإسرائيلية، أشارت إحدى المواد إلى اعتراف فرنسا بدولة فلسطين في سبتمبر 2025، وإعلانها مع دول غربية أخرى حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة والتجارة فيها.

وتضع هذه التطورات ماكرون أمام مسارين متزامنين من الضغوط؛ أولهما دبلوماسي واقتصادي، يرتبط بتأمين الطاقة وحماية الملاحة في الخليج وتعزيز التعاون مع دوله، وثانيهما داخلي، يرتبط بالاضطرابات الاجتماعية وأداء الأجهزة الأمنية ومطالب المساءلة السياسية.

وتبقى نتائج الجولة الخليجية، وقدرة الحكومة الفرنسية على احتواء الاحتجاجات واستعادة الثقة في المؤسسات الأمنية، من أبرز الملفات التي ستحدد مسار التحركات الفرنسية في المرحلة المقبلة.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا