مالك بن نبي ومأزق النهضة: حين يتقدم الفكر وتتخلف أدوات تحقيقه (2/1) - عين ليبيا
من إعداد: د. أحمد معيوف
السؤال الذي لما يطرح: ما الشروط الاجتماعية والفكرية والنفسية التي تجعل مجتمعاً ما قادراً على إنتاج الحضارة؟
تُعد تجربة المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905–1973) واحدة من اهم المحاولات الفكرية لفهم أسباب التخلف الحضاري في مجتمعاتنا، والبحث عن الشروط التي تسمح لها باستعادة قدرتها على البناء والتقدم. ولم تكن تجربته مجرد امتداد لمحاولات الإصلاح السابقة، بل مثلت محاولة لتأسيس رؤية أكثر شمولاً لمشكلة الحضارة، من خلال الربط بين الإنسان والفكرة والثقافة والواقع الاجتماعي.
ترتبط الحضارة بالانسان، ولا تكاد منطقة في العالم تخلو من اثار دلة على امم سابقة عمرت تلك البقعة الجغرافية، وملامح تشير الى احداث سجلتها تلك الاثار، تدل على مجالات تفوقهم ونشاطهم. وهناك لبس بين مفهومين يجب التنويه عليه، وهو مفهوم المدنية ومفهوم الحضارة. إذ يرتبط مفهوم المدنية بالانجاز المادي والعملي في حياة المجتمع، بينما الحضارة فهي اعمق اذ ترتبط بالمثل السائدة في المجتمع. ولتبسيط فهم الفرق بين المصطلحين يقول عالم الاجتماع السياسي روبرت ماكيفران “المدنية تتعلق بالوسائل والحضارة تتعلق بالغايات، فالمدنية تشتمل على مظاهر التقدم الصناعي والاقتصادي، ما دام ذلك التقدم لا يهدف إلا إلى تحقيق الرخاء للانسان، أي انها وسيلة لا تقصد لذاتها، وانما تستهذف لغرض اخر مغاير. اما الحضارة فترتبط بالقيم الانسانية الكامنة التي هي غايات مقصودة لذاتها”. ويضرب مثلا لذلك الفن كمظهر حضاري، فالفنان قد يكتسب من عمله الفني، لكنه لا ينتج هذا الفن وفي ذهنه الكسب المادي. وكذلك الدين، فماكيفر يعتبر أدا الشعائر الدينية في ذاته غاية لا يستهدف منها نفعا مباشرا. ويتفق مع هذا الفيلسوف كانت الذي يؤكد ان الاخلاق ضرورة حضارية تستهذف لذاتها. لايعني هذا ان التمييز بين الحضارة والمدنية على اساس الغايات والوسائل مطلق، بل يتقاطعان في بعض المجالات ويكملان بعظهما البعض وخاصة في حقل العلم وفي النشاط الاقتصادي.
لكن هناك نقطة مفصلية في هذا الموضوع، ذلك ان المكتسبات المدنية تراكمية وممكن ان تنتقل من جيل الى جيل ومن شعب الى اخر كما يرى العالم الالماني الفرد فيبر (شقيق ماكس فيبر)، لكن الحضارة انتاج مستقل يصعب انتشاره من مجتمع الى اخر او من جيل الى اخر، وهذا في رأي يؤكده افول الحضارات ونشؤ حضارات جديدة.
لم تكن بداية تجربة مالك بن نبي من السؤال التقليدي: لماذا تخلف المسلمون رغم امتلاكهم تاريخاً حضارياً عظيماً؟ بل كان منطلق منحاه الفكري من سؤال لم يطرح سابقا وهو: ما الشروط الاجتماعية والفكرية والنفسية التي تجعل مجتمعاً ما قادراً على إنتاج الحضارة؟
من المفارقات التي تركها الاستعمار الفرنسي هو تجهيل الشعب الجزئري، نسبة الأمية في وسط المجتمع الجزائري يوم دخول الاستعمار سنة 1830 م كانت تقدر بـ5 % أي أن هناك 95 % من الشعب الجزائري يعرف الكتابة والقراءة، وكتب الرحالة الالماني فيلهالم شيمبرا حين زار الجزائرفي شهر ديسمبر 1831 م ما يلي:”لقد بحث قصدًاعن عربي واحد في الجزائريجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب”…. وايد ذلك تقريرالجنرال “فالز” سنة 1834 م حيث قال بأن كل الجزائريين تقريبًا يعرفون القراءة والكتابة، نتيجة توفر مدرستين في كل قرية، ووجود مدرستين في تقريره يشير الى امر مهم، وهو ان التعليم لم يكن مقتصرا على الذكور بل الاناث ايضا. السياسة الاستعمارية التي مارستها فرنسا رفعت نسبة الامية من 5% عند دخولها في عام 1830 الى 92% عند استقلال الجزائر عام 1961.
ومع ذلك، لم ينظر مالك بن نبي إلى الاستعمار باعتباره التفسير الوحيد لتخلف المجتمعات، رغم إدراكه العميق لآثاره، بل رأى أن هناك عوامل داخلية تجعل المجتمع عاجزاً عن إنتاج شروط نهضته، وهو ما عبّر عنه بمفهوم «القابلية للاستعمار»، وهو الاستعداد النفسي والاجتماعي لقبول هيمنة الاجنبي والتمكين له. كما ربط قيام الحضارة بتفاعل الإنسان والتراب والوقت، تحت تاثير محفز اطلق عليه اسم “المركب الحضاري او الفكرة الدينية” التي تمنح هذه العناصر القدرة على التفاعل والتوجيه وتحول الفرد من كائن فطري الى فاعل تاريخي. وبهذا المعنى، نقل مالك بن نبي النقاش من مجرد البحث عن أسباب التخلف إلى محاولة فهم الشروط التي تجعل المجتمع قادراً على إنتاج الحضارة.
لكن نجاح الفكر في تشخيص أسباب التخلف لا يعني بالضرورة امتلاكه أدوات تجاوزها. وهنا تبرز المسألة الأساسية في تجربة مالك بن نبي : لماذا لم تتحول أفكاره، رغم أهميتها وانتشارها، إلى مشروع نهضوي فعلي؟
القابلية للاستعمار، في تقديري، تجسدت في طبيعة انظمة الحكم بعد الاستقلال، فالمستعمرات الفرنسية اصبحت بعد الاستقلال جمهوريات، وتحولت المستعمرات البريطانية الى ممالك كما اشار السيد عبد الرحمن شلقم في احد مقالاته. استطيع القول ان الانظمة الحاكمة بعد الاستقلال استعارت الدولة ولم تبني دولة.
يمكن القول إن أحد أهم أسباب تعثر مشروع مالك بن نبي يكمن في الفجوة بين الفكر والسلطة. فقد تشكل وعيه في ظل الاستعمار الفرنسي، حيث كان المجتمع الجزائري يفتقر إلى السيادة السياسية، ويواجه ظروفاً اجتماعية واقتصادية وثقافية بالغة الصعوبة. ومن الطبيعي في هذا السياق أن يراهن على قيام دولة وطنية بعد الاستقلال، تمتلك القدرة على تعبئة الموارد، وتطوير التعليم، وبناء المؤسسات، وتحويل الأفكار الحضارية إلى برامج عملية.
كان الاستقلال، وفق هذا التصور، فرصة تاريخية للانتقال من التحرر السياسي إلى التحرر الحضاري. غير أن الدولة الوطنية لم تتجه بالضرورة إلى تحقيق هذا التحول، وكما اشرت اعلاه “استعارت الدولة ولم تبني دولة”. ففي تجارب عديدة في المنطقة العربية، تقدمت أولويات تثبيت السلطة وتعزيز استمراريتها على بناء مجتمع يمتلك القدرة على المبادرة والمشاركة والاستقلال في التفكير(عبدالناصر، القذافي وصدام امثلة لتثبيت السلطة وتعزيز استمراريتها من اجل مشاريع حملت اخطاء إستراتيجية تركت اثارها حتى وقتنا الحاضر).
وهنا ظهرت مفارقة مهمة: الدولة التي كان يفترض أن تكون أداة لبناء المجتمع، أصبحت في بعض التجارب معنية أكثر بتعزيز سلطتها ومركزية القرار، وتحولت الى نظام حاكم. ولا يعني ذلك أن هذه الانظمة لم تحقق إنجازات في التعليم أو البنية التحتية أو الاقتصاد، (فنسبة الامية في ليبيا مثلا لا تتجاوز 9%، وثم تأميم شركات النفط، واصبحت كل البنوك بنوك وطنية، الا انه لم يتم الاستثمار في البنية التحتية وبناء الانسان)، بل إن السؤال يتعلق بطبيعة هذه الإنجازات ومدى قدرتها على تأسيس نهضة مستقلة ومستدامة.
يتبع………….
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا