ما الذي يحدث للجسم عند تناول «التوابل» بانتظام؟ - عين ليبيا

لطالما ارتبطت التوابل بتاريخ الإنسان باعتبارها عنصرًا أساسيًا في الطهي والطب التقليدي، لكن الدراسات العلمية الحديثة تنظر إليها من زاوية مختلفة، بعدما كشفت أبحاث متزايدة أن المركبات الطبيعية الموجودة في عدد من التوابل يمكن أن تؤثر في وظائف حيوية داخل الجسم، من صحة الجهاز الهضمي وصولًا إلى الدماغ والجهاز المناعي.

ولم تعد التوابل مجرد وسيلة لتحسين مذاق الطعام، بل أصبحت محورًا لعدد كبير من الدراسات في مجالات التغذية والطب الوقائي، بسبب احتوائها على مركبات نباتية نشطة تمتلك خصائص مضادة للأكسدة والالتهاب، وهي آليات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتطور العديد من الأمراض المزمنة.

ويشير باحثون في علوم التغذية إلى أن النظام الغذائي لا يؤثر فقط في كمية السعرات الحرارية التي يحصل عليها الإنسان، بل يلعب دورًا مباشرًا في البيئة الداخلية للجسم، بما فيها الميكروبيوم المعوي، وهو مجتمع معقد من الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل الجهاز الهضمي وتؤثر في الهضم والمناعة وحتى بعض وظائف الدماغ.

وتوضح دراسات متعلقة بالميكروبيوم أن بعض المركبات الموجودة في التوابل يمكن أن تساعد في دعم تنوع البكتيريا النافعة داخل الأمعاء، وهو عامل يرتبط عادةً بتحسين صحة الجهاز الهضمي والحفاظ على توازن العمليات المناعية في الجسم.

ويُعد الكركم من أكثر التوابل التي جذبت اهتمام الباحثين، بسبب احتوائه على مركب الكركمين، الذي دُرس على نطاق واسع بسبب خصائصه المضادة للأكسدة والالتهاب. وتشير الأبحاث إلى أن هذا المركب يعمل ضمن مسارات بيولوجية متعددة مرتبطة بتنظيم الاستجابة الالتهابية وحماية الخلايا من الأضرار الناتجة عن الإجهاد التأكسدي.

أما الزنجبيل، فيحتوي على مركبات طبيعية أبرزها الجينجيرول، التي بحث العلماء تأثيرها في دعم صحة الجهاز الهضمي ومواجهة بعض عمليات الالتهاب داخل الجسم. كما تناولت دراسات مختلفة دور الزنجبيل في تعزيز الراحة الهضمية والمساعدة في تخفيف بعض الأعراض المرتبطة باضطرابات المعدة.

وتحتوي القرفة على مركبات نباتية حيوية خضعت للدراسة بسبب ارتباطها بعمليات الأيض وتنظيم مستويات الغلوكوز في الدم، بينما يحتوي الفلفل الحار على مادة الكابسيسين، التي بحث العلماء تأثيراتها المحتملة في عمليات الأيض وصحة الدورة الدموية.

ولا تقتصر أبحاث التوابل على الجهاز الهضمي فقط، إذ يبحث العلماء أيضًا في علاقتها بصحة الجهاز العصبي. وتشير دراسات مخبرية إلى أن بعض المركبات النباتية الموجودة في التوابل تمتلك خصائص مضادة للأكسدة، وهي خصائص ترتبط بحماية الخلايا العصبية من التأثيرات الضارة للإجهاد التأكسدي.

ويُنظر إلى الالتهاب المزمن باعتباره أحد العوامل المشتركة في عدد من الحالات الصحية طويلة الأمد، مثل أمراض القلب واضطرابات الأيض وبعض الأمراض المرتبطة بتقدم العمر، لذلك يدرس الباحثون دور الأغذية الغنية بالمركبات النباتية في دعم الجسم وتقليل العوامل التي تساهم في هذه العمليات.

لكن الخبراء يؤكدون أن استخدام التوابل لا يعني استبدال العلاجات الطبية أو الاعتماد عليها كوسيلة منفردة للوقاية، بل إن فائدتها تظهر ضمن نمط غذائي متوازن يعتمد على تنوع مصادر الغذاء، مثل الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة ومصادر البروتين الصحية.

وتشير الأبحاث إلى أن الكمية وطريقة الاستخدام تلعبان دورًا مهمًا، إذ إن الإفراط في تناول بعض التوابل أو استخدام مكملاتها بجرعات عالية دون إشراف مختص قد لا يقدم الفوائد نفسها التي يوفرها إدخالها ضمن الطعام اليومي بكميات معتدلة.

ويرى متخصصون أن الاهتمام العلمي المتزايد بالتوابل يعكس تحولًا أوسع في مجال الصحة الوقائية، حيث يبحث العلماء بشكل متزايد عن تأثير المكونات الطبيعية الموجودة في الغذاء على المدى الطويل، وليس فقط عن دورها في إشباع الجوع أو تحسين النكهة.

وبينما تستمر الدراسات لفهم الآليات الدقيقة لتأثير التوابل داخل الجسم، تشير الأدلة الحالية إلى أن هذه المكونات الصغيرة الموجودة في المطبخ تحمل مجموعة من المركبات النشطة التي تجعلها جزءًا مهمًا من الأبحاث الحديثة حول التغذية والصحة.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا