ما هو فيروس «هانتا» وكيف ينتقل؟ - عين ليبيا
تشهد أوروبا متابعة صحية مكثفة بعد تفشٍ لفيروس هانتا على متن السفينة السياحية إم في هونديوس التي رست في جزر الكناري الإسبانية عقب رحلة استكشافية قطبية انطلقت من الأرجنتين، في ظل تسجيل وفيات وإصابات مرتبطة بفيروس نادر يثير اهتماماً طبياً واسعاً.
وفي مشهد توثيقي من ميناء غراناديلا في جزر الكناري، ظهر أحد ركاب المجموعة الأخيرة التي غادرت السفينة وهو يلوّح من حافلة متجهة إلى المطار ضمن عمليات نقل الركاب إلى بلدانهم بعد الإجلاء.
وبحسب البيانات الصحية المعلنة، بلغ عدد الحالات المرتبطة بالحادثة 11 حالة، بينها 9 حالات مؤكدة، فيما أكدت منظمة الصحة العالمية أن الوضع لا يصنف كجائحة ولا يحمل خصائص انتشار مشابهة لجائحة كوفيد-19، رغم استمرار المتابعة في جزر الكناري وعدة دول أوروبية.
وسُجلت 3 وفيات على متن الرحلة، من بينها زوجان هولنديان، وتشير التقديرات الصحية إلى أنهما كانا من أوائل من تعرضوا للفيروس خلال زيارة سابقة إلى أمريكا الجنوبية ضمن مسار الرحلة الاستكشافية.
وفي السياق الطبي، أوضح الطبيب كزافييه ليسكور المتخصص في الأمراض المعدية في مستشفى بيشا أن المريضة التي تتلقى العلاج في باريس تعاني من حالة حرجة للغاية، وتعتمد على دعم تنفسي عبر رئة اصطناعية ضمن وحدة العناية المركزة.
ويعتمد هذا النوع من الدعم على تمرير الدم خارج الجسم عبر جهاز أكسجة اصطناعي ثم إعادته محملاً بالأكسجين، بهدف تخفيف الضغط عن الرئتين والقلب ومنح الجسم فرصة للتعافي ضمن مرحلة متقدمة من الرعاية الطبية الداعمة.
وبعد الانتهاء من عمليات إجلاء جميع الركاب وعدد من أفراد الطاقم، غادرت السفينة إم في هونديوس باتجاه هولندا، حيث تخضع لعمليات تنظيف وتعقيم شاملة بإشراف جهات متخصصة في السلامة الصحية البحرية.
وأكد مدير منظمة الصحة العالمية أن الحالات المؤكدة والمشتبه بها اقتصرت على ركاب السفينة وطاقمها دون تسجيل انتشار خارج هذا الإطار، مع استمرار المراقبة الوبائية.
وفي إيطاليا، تتابع وزارة الصحة حالتين مشتبه بإصابتهما بفيروس هانتا، إحداهما لسائحة أرجنتينية نقلت إلى المستشفى بعد إصابتها بالتهاب رئوي، والثانية لرجل من إقليم كالابريا يخضع للعزل الوقائي.
وتشير البيانات الصحية إلى أن السائحة الأرجنتينية غادرت منطقة يُشتبه بتفشي المرض فيها في بلدها نهاية أبريل، ثم سافرت إلى إيطاليا عبر رحلة جوية من بوينس آيرس إلى روما قبل انتقالها إلى صقلية حيث أدخلت إلى المستشفى.
كما خضع المواطن الإيطالي البالغ من العمر 25 عاماً للفحوص بعد مخالطة قصيرة لامرأة هولندية توفيت لاحقاً نتيجة الفيروس، وسط متابعة دقيقة لتسلسل المخالطين.
وفي تطور منفصل، جرى تحديد سائح بريطاني في ميلانو ووضعه تحت الحجر الصحي بعد تحذيرات بريطانية تفيد بأنه كان على الرحلة الجوية نفسها مع الحالة الهولندية، كما نُقل مرافقه إلى المستشفى احترازياً.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، ينتشر فيروس هانتا أساساً عبر القوارض، خاصة من خلال البول والبراز واللعاب، بينما يبقى انتقاله بين البشر محدوداً ونادراً في معظم السلالات المعروفة.
وتبدأ أعراض الإصابة عادة بشكل يشبه الإنفلونزا مثل الحمى والتعب وآلام العضلات، بعد فترة حضانة تمتد بين أسبوع وثمانية أسابيع.
ويرتبط التفشي الحالي بسفينة هونديوس التي أنهت رحلتها الاستكشافية القطبية قبل رسوها في جزر الكناري، وسط تحقيقات تهدف إلى تحديد مصدر العدوى المحتمل.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد الحالات مرشح للارتفاع مع طول فترة الحضانة، مع تأكيد أن المؤشرات الحالية لا تدل على انتشار وبائي واسع.
ويصنف فيروس هانتا طبياً ضمن الفيروسات المرتبطة بالقوارض، إذ ينتقل إلى الإنسان عبر التعرض لبول أو فضلات أو لعاب القوارض، غالباً عبر الاستنشاق أو ملامسة أسطح ملوثة.
تاريخياً، رُصدت فيروسات هانتا في آسيا وأوروبا وارتبطت بحالات حمى نزفية مصحوبة بفشل كلوي، بينما اكتُشف نوع في الولايات المتحدة خلال التسعينيات يسبب متلازمة تنفسية حادة.
وتشير التقديرات الطبية إلى أن انتقال العدوى بين البشر يبقى نادراً للغاية، ويرجح أن مصدر العدوى في الحالة الحالية مرتبط بتلوث بيئي داخل بيئة مغلقة وليس انتشاراً مباشراً واسعاً.
وتتراوح فترة الحضانة عادة بين أسبوع وأربعة أسابيع، وتبدأ الأعراض بارتفاع الحرارة والقشعريرة والصداع وآلام العضلات والغثيان، قبل أن تتطور في بعض الحالات إلى مضاعفات تنفسية أو فشل كلوي.
وفي بعض الحالات الشديدة، قد تتدهور الحالة بسرعة إلى صعوبة حادة في التنفس وانخفاض ضغط الدم، ما يجعل الشكل الرئوي من أخطر صور المرض.
وتشير البيانات إلى أن البيئات المغلقة مثل السفن السياحية قد تزيد احتمالات انتقال العدوى في حال وجود قوارض أو تلوث في أنظمة التخزين أو التهوية، ما يستدعي إجراءات تعقيم صارمة.
ولا يوجد علاج نوعي مباشر لفيروس هانتا حتى الآن، بينما يعتمد التعامل الطبي على الرعاية الداعمة مثل الأكسجين والسوائل والعناية المركزة، مع اعتبار التشخيص المبكر عاملاً حاسماً في تحسين فرص التعافي.
وتشمل إجراءات الوقاية تجنب التعرض للقوارض، والحفاظ على نظافة الأماكن المغلقة، وتهوية المواقع قبل تنظيفها، واستخدام وسائل الحماية عند التعامل مع بيئات يحتمل تلوثها.
ويؤكد مختصون أن الأعراض قد تتفاقم بسرعة، ما يستدعي مراجعة طبية فورية عند ظهور علامات تنفسية أو حمى شديدة متصاعدة.
ورغم ندرة الفيروس، يبقى ظهوره محل متابعة صحية دقيقة، خاصة في البيئات المغلقة، مع استمرار التحقيقات لتحديد مصدر التفشي وتعزيز إجراءات الوقاية.
وتختلف آلية انتشار فيروس هانتا عن فيروس كورونا، إذ يرتبط الأول بالقوارض وينتقل غالباً من الحيوان إلى الإنسان، بينما ينتقل الثاني بين البشر عبر الجهاز التنفسي، ما يمنح كورونا قدرة انتشار أوسع.
هذا وتشير دراسة علمية حديثة إلى أن فيروسات تنقلها القوارض مثل فيروس هانتا وفيروسات أرينا قد تشهد توسعاً أكبر في انتشارها خلال العقود المقبلة، في ظل تسارع تأثيرات تغيّر المناخ وتبدلات أنماط الطقس واستخدام الأراضي حول العالم.
وتحذر الدراسة من أن هذا التغير قد يؤدي إلى تعرّض ملايين الأشخاص في مناطق جديدة حول العالم لخطر الإصابة بأمراض خطيرة، قد تتراوح بين الحمى النزفية ومضاعفات صحية قد تصل إلى الوفاة في بعض الحالات.
ونُشرت الدراسة في مجلة npj Viruses، حيث ركز الباحثون على تأثير التغير المناخي والتوسع العمراني والزراعي على أنماط انتشار القوارض التي تحمل هذه الفيروسات، وتوصلوا إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتغير معدلات هطول الأمطار والتوسع في استخدام الأراضي عوامل رئيسية في زيادة احتمالات انتقال العدوى إلى البشر.
وأوضح براناف كولكارني، أحد معدي الدراسة، أن التغير المناخي يعيد رسم خريطة انتشار القوارض الحاملة للفيروسات، ما قد ينقل بؤر الخطر إلى مناطق جديدة لم تكن مهددة سابقاً، مع احتمال تأثر مناطق واسعة في أمريكا الجنوبية بشكل خاص.
وتشير نتائج البحث إلى أن فيروسات أرينا قد تسبب حالات حمى نزفية شديدة، مع ارتفاع في معدلات دخول المستشفيات، ونسب وفيات تتراوح بين 5 و30% بحسب شدة الإصابة وسلالة الفيروس.
ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج تبرز الحاجة إلى تعزيز السياسات الصحية العامة بما يتكيف مع التغيرات المناخية، إلى جانب توسيع أنظمة المراقبة الوبائية في المناطق التي يُتوقع أن تشهد ارتفاعاً في المخاطر مستقبلاً، بهدف الحد من تفشي الأمراض قبل تحولها إلى أزمات صحية واسعة.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا