معضلة رفع الدعم الاقتصادي.. بين ضرورات الإصلاح الهيكلي ومخاطر الصدمات المعيشية - عين ليبيا
من إعداد: لواء نايف الحاسي
يشغل ملف رفع الدعم بال الشارع والخبراء على حد سواء، وسط تباين الآراء بين من يراه خطوة ضرورية للحد من الهدر والتهريب، ومن يخشى تبعاته المالية على قُوت المواطن. إليكم قراءة اقتصادية متكاملة في شروط نجاح هذا القرار ومخاطر تطبيقه المنفرد:
يُمثّل ملف رفع الدعم الاقتصادي أحد أخطر وأعقد المنعطفات التي تواجه صانع القرار في الاقتصادات الناشئة والريعية؛ إذ لا يمكن التعامل معه كإجراء مالي عابر ومجتزأ يقتصر هدفه على معالجة عجز الموازنة العامة أو الحد من نزيف الموارد فحسب، بل هو قرار استراتيجي مصيري تتوقف فاعليته واستدامته بالكامل على حزمة متكاملة ومترابطة من الإصلاحات الاقتصادية الجذرية الموازية. فكيف لقرار تحرير الأسعار أن يحقق أهدافه إن لم يُرافق بشبكة إصلاح حقيقية؟
إن التجارب الدولية والتقارير الصادرة عن المؤسسات المالية العالمية تؤكد، بوضوح تام، أن تحرير الأسعار وتوجيه الدعم لمستحقيه عبر آليات نقدية مباشرة يفقد جدواه الاقتصادية بالكامل إذا لم يُبنَ على قاعدة صلبة من تعزيز الإنتاج المحلي الحقيقي، وتحفيز القطاع الخاص الإنتاجي، وتنويع مصادر الدخل القومي، وضبط التضخم، ورفع كفاءة الخدمات العامة؛ لأن رفع الدعم وحده، بمعزل عن هذه الإصلاحات الكبرى، سيحول القرار إلى صدمة معيشية طاحنة تلتهم القدرة الشرائية للمواطنين وتعمق ركود الأسواق! بل وتخلق تداعيات كارثية قد تفوق بأضعاف مخاطر آفة التهريب واستنزاف مقدرات الدولة في قنوات غير شرعية.
فالتاريخ الاقتصادي يثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الدعم الموجه بشكل خاطئ وإن كان يشكل عبئاً مالياً هائلاً على الموازنة، إلا أن إلغاءه المفاجئ في بيئة اقتصادية هشة تفتقر لشبكات الأمان الاجتماعية الحقيقية والشفافية المؤسسية والرقابة الفعالة سيفضي حتماً إلى موجات من التضخم المفرط، وتآكل الطبقة الوسطى، وتوسيع رقعة الفقر؛ مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والأمن الاقتصادي برمته. أليس الهدف من القرار علاج التشوه المالي لا مضاعفة أزمات المواطن؟
من هنا، فإن أي توجه نحو هذه الخطوة الجريئة يجب أن يُدار بحكمة بالغة باعتباره حزمة إصلاح هيكلي شاملة، تبدأ بتهيئة مناخ الاستثمار الجاذب، ومحاربة الاحتكار والتشوهات السوقية، وتمكين الاقتصاد الموازي من الاندماج الآمن في الدورة الاقتصادية الرسمية؛ لضمان أن يتحول قرار رفع الدعم من مغامرة غير محسوبة النتائج، محفوفة بالمخاطر الكارثية، إلى رافعة حقيقية لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي والتنمية المستدامة التي يلمس المواطن عائدها الإيجابي واقعاً ملموساً قبل أن تترجمه الأرقام الصماء والتقارير الرسمية.
[يتضح جلياً أن رفع الدعم لا يمكن النظر إليه كحل سحري منفصل، بل هو جزء من منظومة متكاملة لا تتجزأ؛ فبدون بناء بيئة انتاجية قوية وتوفير حماية اجتماعية حقيقية تُحصّن الفئات الأكثر هشاشة، يظل أي تحرك في هذا الملف مجازفة كبرى بتوازنات المجتمع واقتصاده. إن نجاح أي مسار إصلاحي يظل مرهوناً بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة عبر شفافية الطرح ورؤية ملموسة تبدأ بتحصين المعيشة قبل رفع الأسعار.]
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا