مفتي ليبيا: زيادة المرتبات «مسكّن مؤقت» ولا تعالج أسباب الأزمة - عين ليبيا

وجّه مفتي عام ليبيا، الشيخ الصادق الغرياني، انتقادات لعدد من الملفات السياسية والاقتصادية والرقابية والخدمية في البلاد، متناولًا استمرار ولاية البعثة الأممية، وأزمة المرتبات والإنفاق الموازي، ونقص الأدوية، وأداء الجهات الرقابية والنيابية، إلى جانب دعوته النقابات إلى المطالبة بالاستفتاء على الدستور وإجراء الانتخابات.

وقال الغرياني، في تصريحات نشرتها دار الإفتاء الليبية، إن مجلس الأمن يجدد ولاية البعثة الأممية في ليبيا منذ 14 عامًا، معتبرًا أن استمرار عملها يتيح لها التحكم في شؤون البلاد والتأثير في مصيرها.

كما وصف دولة الإمارات بأنها «عميلة للكيان الصهيوني وللرئيس الأمريكي»، وربط ما تشهده ليبيا والسودان بما وصفه بأعمالها، مشيدًا في سياق آخر بهزيمة حلفاء الرئيس الأمريكي في الانتخابات، رغم ما قال إنه إنفاق أموال طائلة على حملاتهم الدعائية.

وفيما يتعلق بأزمة المرتبات، تناول الغرياني مقترح جدول المرتبات الموحد الذي أعدته وزارة المالية، مشيرًا إلى اعتراض نقابة المعلمين عليه لعدم تلبيته مطالبها، مقابل اعتراض جهات عسكرية ورقابية وقضائية وأعضاء في هيئات التدريس، بسبب ما قالوا إنه سيؤدي إلى خفض مرتباتهم ومزاياهم.

وأوضح أن الأزمة لا ترتبط بمستويات الأجور وحدها، معتبرًا أن رفع المرتبات لن ينهي الاختلالات الاقتصادية في ظل اتساع التوظيف في القطاع العام وضعف فرص العمل في القطاع الخاص، مشيرًا إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتجاوز مليوني شخص، في وقت يعاني فيه القطاع الخاص من تراجع المشاريع الصغيرة والكبيرة القادرة على استيعاب العمالة.

وأضاف أن غياب فرص العمل يدفع خريجي الجامعات والمعاهد والباحثين عن وظائف إلى التوجه نحو مؤسسات الدولة، لافتًا إلى وجود أعداد من الموظفين لا تتناسب مع الوظائف المتاحة، حتى إن بعضهم لا يجدون مقاعد للجلوس داخل مقار الإدارات.

وفي ملف الإنفاق العام، قال الغرياني إن أسباب أزمة المرتبات والإضرابات وتوقف بعض القطاعات عن العمل ترتبط بعدم دخول الإيرادات والثروات إلى الخزينة العامة، إلى جانب الإنفاق الموازي الذي وصفه بأنه لا يظهر في النشرات والإحصائيات الرسمية.

وانتقد ما اعتبره تفاوتًا في تعامل الجهات الرقابية والنيابية مع ملفات الاعتداء على المال العام، قائلًا إن التحقيقات غالبًا ما تتناول وقائع بمبالغ تصل إلى ملايين الدينارات، بينما لا تقترب من الملفات التي تتعلق بمليارات الدينارات، سواء في شرق البلاد أو غربها.

واتهم الغرياني جهات مسؤولة بالتغاضي عن الإنفاق المخصص للمشير خليفة حفتر وأبنائه، معتبرًا أن الأموال الموجهة إليهم تؤثر في الميزانية العامة، كما تحدث عن تداعياتها على سوق العمل وتوزيع العمالة بين المناطق الليبية.

وأشار إلى انتقال أصحاب المهن والعمال من المنطقة الغربية إلى المنطقة الشرقية بحثًا عن أجور أعلى، موضحًا أن بعض العمال الذين يحصلون على 130 أو 140 دينارًا يوميًا في المنطقة الغربية يجدون أجورًا تصل إلى 240 دينارًا في المنطقة الشرقية، وفق ما ذكره.

كما انتقد أداء المؤسسة الوطنية للنفط في إدارة بعض الملفات، متحدثًا عن تهريب الأموال والمحروقات والمقايضة في شراء الوقود، واتهم شركات خاصة بالاستفادة من عمليات مرتبطة بالنفط، دون تقديم تفاصيل أو وثائق تثبت هذه الاتهامات في التصريحات المنشورة.

وتطرق إلى ملف شركة أركين، متسائلًا عن نتائج التحقيقات التي قال إنها صدرت بشأنها أوامر من رئيس الحكومة، كما انتقد ما وصفه بغياب المحاسبة عن الأموال التي تُصرف في مشروعات إعادة الإعمار.

وفي سياق متصل، قال إن أموال الدعم التي تتراوح بين 14 و15 مليار دينار يذهب جزء كبير منها، بحسب تقديره، إلى المهربين والمستفيدين من الفساد، معتبرًا أن معالجة أزمة المرتبات تتطلب وقف التجاوزات المالية وضمان دخول الإيرادات إلى الخزينة العامة، بدل الاكتفاء بزيادة الأجور.

وانتقد الغرياني أيضًا أداء محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق، مشيرًا إلى أن نشر بعض البيانات والنشرات المتعلقة بالشفافية لم يترافق مع كشف أوجه الإنفاق الموازي، ودعا المحافظ الجديد إلى الاستفادة من التجربة السابقة، والالتزام بالشفافية في إدارة المصرف، محذرًا من أن إرضاء الأطراف النافذة لن يضمن بقاءه في منصبه.

وفي ملف الجهات الرقابية، تساءل عن مآلات التحقيقات المتعلقة بسد درنة وشركة أركين، كما تحدث عن اتهامات تتعلق بجرائم منسوبة إلى حفتر وأبنائه، وانتقد ما وصفه بعدم ملاحقة المسؤولين عن هذه الوقائع، رغم قوله إنها معروفة لدى المجتمع الدولي ومجلس الأمن والولايات المتحدة وإسرائيل.

أما بشأن الاعتصامات والإضرابات، فدعا الغرياني النقابات المهنية، بما فيها نقابات المعلمين والمحامين والموظفين والنيابات، إلى تنسيق تحركاتها بدلًا من تعطيل الدراسة والخدمات الصحية والمرافق العامة، مقترحًا تنظيم احتجاجات للمطالبة بالاستفتاء على الدستور وإجراء الانتخابات وإنهاء دور البعثة الأممية.

وقال إن النقابات مطالبة، بحسب طرحه، بتوجيه مطالبها نحو معالجة الأزمة السياسية والمالية، بدل الاكتفاء بالمطالبة بزيادة المرتبات أو وقف الخدمات عن المواطنين، معتبرًا أن تحسين الأجور وحده لا يعالج أسباب الأزمة.

وفي الشأن الصحي، حذر الغرياني من تدهور الخدمات ونقص الأدوية، مشيرًا إلى عدم توفر أدوية الأورام والإنسولين، وقال إن بعض الجرعات العلاجية لمرضى الأورام تتطلب مبالغ تتراوح بين 20 ألفًا و24 ألفًا، وفق ما أورده في تصريحاته.

وانتقد نقل مسؤولية بعض العطاءات والأدوية من اللجنة المختصة إلى جهات أخرى، متحدثًا عن حصول جهات مرتبطة بمكافحة الأمراض والأورام على أكثر من مليار ونصف المليار، دون تحديد العملة في التصريح، قبل انتقال الملف إلى إدارة الإمداد، مع استمرار نقص الأدوية بحسب قوله.

كما تحدث عن وفاة أطفال مصابين بالسكري نتيجة نقص الإنسولين، وعن حالات دخلت غرف العناية المركزة بسبب مضاعفات مرتبطة بنقصه، مشيرًا إلى أن الاعتمادات المالية والإجراءات الخاصة بتوفير الإنسولين كانت مكتملة منذ أكثر من عام، وأن الجهات المعنية أعلنت وصوله خلال الأسبوع الذي أدلى فيه بتصريحاته.

وفي سياق التحذير من انتشار الأمراض، أشار إلى إعلان في سبها عن ضبط 150 حالة إصابة بالسل، منتقدًا ما وصفه بضعف الاهتمام بتوفير الإمكانات اللازمة لمواجهة المرض، ومقارنًا ذلك بالحديث عن خلو ليبيا من شلل الأطفال.

كما لفت إلى معاناة مستشفى بوسكتة في طرابلس، قائلًا إنه لا يتوفر على غرفة عمليات رغم المطالبات المتكررة لرئاسة الحكومة ووزارة الصحة والجهات المختصة، وانتقد استمرار الوعود دون معالجة المشكلات التي تواجه المستشفى.

وتناول الغرياني كذلك إضرابات العاملين في القطاع الصحي والمطالبة بزيادة المرتبات، معتبرًا أن توقف المرافق الطبية عن العمل يفاقم معاناة المرضى، وأن معالجة الأزمة تتطلب إصلاح أسباب تراجع الخدمات وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية.

وتأتي تصريحات الغرياني في ظل استمرار الخلافات بشأن إدارة الإنفاق العام وتوزيع الإيرادات، وتباين المواقف حول جدول المرتبات الموحد، إلى جانب مطالبات نقابية بتحسين الأجور، وشكاوى متواصلة من نقص الأدوية وتراجع الخدمات الصحية في عدد من المناطق الليبية.

دار الإفتاء الليبية تحسم الجدل بشأن أجور محرري العقود وتحذر من مخالفة اللوائح

أصدرت دار الإفتاء الليبية الفتوى رقم (6641)، بشأن الخلافات بين مكاتب تحرير العقود حول قيمة الأتعاب التي يتقاضاها محررو العقود، وحكم مخالفة التسعيرة المعتمدة في اللائحة المنظمة للمهنة.

وأكدت الدار، في الفتوى الصادرة بتاريخ 28 سبتمبر 2026، الموافق 16 ربيع الآخر 1448هـ، أن الأصل في المعاملات هو الوفاء بالعقود والالتزام بالأمانة، مشددة على عدم جواز تعاقد الشخص مع أحد مكاتب تحرير العقود ثم الانصراف عنه إلى مكتب آخر لمجرد أن أسعاره أقل، معتبرة ذلك إخلالًا بالعقد ونكثًا للعهود.

وأوضحت الفتوى أن اللائحة رقم (748) لسنة 1993، المنظمة لعمل محرري العقود، حددت الأتعاب في قسمين، هما الأتعاب الثابتة والأتعاب النسبية، ونصت على عدم استحقاق محرري العقود أي مبالغ إضافية خارج ما ورد في القرار والجدولين المرفقين به.

وشددت دار الإفتاء على وجوب التقيد باللوائح المعتمدة من الدولة، ما دامت لا تخالف أحكام الشريعة، معتبرة أن القواعد المنظمة للمهن والأعمال، الصادرة عن الجهات المختصة والجاري العمل بها وفق القوانين، واجبة الاتباع في مرافق الدولة والأنشطة الخاصة، لما يحققه الالتزام بها من حماية للحقوق ومنع للفوضى والتعدي على مصالح الآخرين.

وبيّنت الفتوى أن الأتعاب الثابتة المحددة في اللائحة لا إشكال فيها، كما أجازت الأتعاب النسبية المرتبطة بثمن المعقود عليه أو قيمته، باعتبار أن النسبة من الثمن المعلوم معلومة ضمنًا.

وفي المقابل، ربطت الدار وجوب الالتزام بالتسعيرة بمدى عدالتها ومراجعتها من الجهات المختصة بصورة دورية، بما يضمن توافقها مع أسعار السوق المتعارف عليها وتحقيق الإنصاف بين الأطراف.

وأضافت أنه إذا لم تكن التسعيرة عادلة، أو لم تخضع للمراجعة رغم تغير الأسعار، فإن المرجع في هذه العقود يكون إلى ما يتفق عليه الطرفان برضاهما.

وحذرت دار الإفتاء من اتهام المرخص لهم من محرري العقود باستغلال المواطنين أو تقاضي أتعاب مرتفعة، إذا لم تستند تلك الاتهامات إلى وقائع تثبت وجود ظلم ناتج عن عدم مراجعة الأسعار من الجهات المختصة، واعتبرت إطلاق هذه الأحكام دون أدلة من سوء الظن بالمسلمين.

وأكدت أن سوء الظن القائم على غير الحقائق والوقائع الصحيحة إثم وكذب، مستشهدة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تنهى عن الظن والتجسس والتعدي على حقوق الآخرين.

ووقّع الفتوى أعضاء لجنة الفتوى بدار الإفتاء، المفتي عصام بن علي الخمري والمفتي عبد العالي بن امحمد الجمل، واعتمدها مفتي عام ليبيا الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

وتأتي الفتوى في سياق تنظيم التعاملات داخل مهنة تحرير العقود، التي تخضع للائحة رقم (748) لسنة 1993، وسط خلافات بشأن تفاوت الأتعاب بين المكاتب ومدى الالتزام بالتسعيرة المحددة، لتضع ضوابط تتعلق بالوفاء بالعقود واحترام الأسعار المعتمدة، مع إتاحة الاتفاق بالتراضي عندما لا تكون التسعيرة عادلة أو محدثة.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا