من جبهات القتال إلى محطات الوقود.. أزمات متزامنة تضغط على السودان - عين ليبيا
تشهد الساحة السودانية تطورات متزامنة على الجبهات العسكرية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية، مع استمرار المعارك في إقليم كردفان، وتصاعد أزمة الوقود في الخرطوم، إلى جانب عملية أمنية في ولاية كسلا أسفرت عن تحرير 150 شخصًا كانوا محتجزين لدى مجموعة يُشتبه في نشاطها بالاتجار بالبشر والابتزاز المالي.
وفي أحدث التطورات الأمنية بشرق السودان، أعلنت إدارة مكافحة التهريب بالتنسيق مع جهاز المخابرات العامة تحرير 150 شخصًا من جنسيات مختلفة كانوا محتجزين في منطقة فرينيقة بالقرب من نهر عطبرة، شرق قرية ود بياع في ولاية كسلا.
وبحسب المعطيات الأولية، كانت المجموعة التي تحتجز الأشخاص تطالب أسرهم بمبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.
وقالت المصادر إن القوة الأمنية المشتركة تحركت إلى الموقع بعد تلقي معلومات عن وجود أشخاص محتجزين كرهائن، وتمكنت من تأمينهم وإخراجهم من المكان.
وخلال مداهمة الموقع، حاول المشتبه بهم الفرار باتجاه الضفة الشرقية لنهر عطبرة، وأطلقوا النار على القوات الأمنية في محاولة لإعاقة تقدمها.
وأسفرت العملية عن ضبط أربع قطع سلاح من نوع كلاشنكوف، بينما تواصل الأجهزة المختصة ملاحقة المشتبه بهم الذين تمكنوا من الفرار واستكمال الإجراءات القانونية بحقهم.
وأشاد مدير عام قوات الجمارك الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم بالجهود التي بذلتها القوة خلال العملية، مؤكدًا أهمية حماية الأرواح ومكافحة الجرائم العابرة للحدود.
كما أثنى مساعد المدير العام لمكافحة التهريب اللواء شرطة د. دفع الله محمد دفع الله على المهنية والانضباط اللذين أظهرتهما القوة خلال تنفيذ العملية.
وعلى الجبهة العسكرية، قال مصدر عسكري إن قوة العمل الخاص التابعة للفرقة 14 مشاة على محور الكويك سيطرت، الاثنين، على منطقتي شاشنديل ودابري في جنوب كردفان، عقب اشتباكات مع قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال.
وأوضح المصدر أن القوات السودانية خاضت معارك مع الطرفين اللذين كانا يسيطران على المنطقتين، مشيرًا إلى ضبط آليات قتالية ودراجات نارية قالت القوات إنها كانت تستخدم في إغلاق الطرق بالمنطقة.
وأضاف المصدر أن العمليات العسكرية مستمرة بهدف إخراج قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال من مناطق أخرى في جنوب كردفان.
وتكتسب شاشنديل ودابري أهمية عسكرية لوقوعهما على محور الكويك، الذي يشكل موقعًا متقدمًا ضمن منظومة الدفاع عن كادوقلي، كما يربط طرقًا رئيسية بين كادوقلي والدلنج.
وأكدت مصادر سودانية مستقلة وقوع السيطرة على المنطقتين عقب المعارك، في وقت يشهد فيه محور الكويك مواجهات متكررة بين القوات المسلحة السودانية من جهة وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال من جهة أخرى.
وتخوض القوات المسلحة السودانية في جنوب كردفان مواجهات مع قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، التي تسيطر على مناطق في الولاية منذ سنوات، قبل اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
ويتزامن ذلك مع تصعيد عسكري أوسع في إقليم كردفان، إذ أفادت تقارير ميدانية في 28 سبتمبر باقتراب الجيش السوداني من مدينة المزروب في شمال كردفان، بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيّرة على مدينة الأبيض نسبت إلى قوات الدعم السريع.
وكان الجيش السوداني أعلن في 25 سبتمبر السيطرة على منطقة سودري في شمال كردفان بعد معارك مع قوات الدعم السريع.
ورصدت رويترز تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة على خطوط المواجهة، فيما قالت الأمم المتحدة إن أكثر من ألف مدني سقطوا جراء هجمات بالمسيّرات من طرفي الصراع خلال النصف الأول من 2026.
وفي ملف العلاقات مع دول الجوار، رفضت وزارة الخارجية السودانية اتهامات رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية المشير برهانو جولا للخرطوم بدعم جماعات معارضة للحكومة الإثيوبية.
وقالت الخارجية السودانية إن هذه الاتهامات تستهدف الزج بالسودان في الصراعات الداخلية لإثيوبيا، ونفت في بيان ما وصفته بالمزاعم التي لا تستند إلى أساس أو دليل.
وأكدت الخرطوم أن سياستها تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والالتزام بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.
وفي المقابل، قالت الخارجية السودانية إن لديها معلومات وصفتها بالموثقة وأدلة قطعية على استمرار إثيوبيا في تقديم الدعم والإسناد المباشر لقوات الدعم السريع، مشيرة إلى أن ذلك يشمل التدريب والإمداد.
واتهمت الوزارة أديس أبابا بالسماح باستخدام أراضيها في أنشطة عسكرية موجهة ضد السودان، بينها إطلاق طائرات مسيّرة استراتيجية وانتحارية، معتبرة أن ذلك يمثل تدخلًا مباشرًا في الشأن السوداني وتهديدًا لأمن البلاد واستقرارها وسيادتها.
وأكدت الخرطوم أنها لن تستخدم أراضيها لاستهداف أمن واستقرار دول الجوار، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن سيادتها وأمنها الوطني لن يخضعا للمساومة، وأنها تحتفظ بحق اتخاذ ما يلزم لحماية أراضيها ومواطنيها وفقًا للقانون الدولي.
ودعت الحكومة السودانية إثيوبيا إلى الالتزام بحسن الجوار والكف عن الممارسات التي من شأنها زيادة التوتر والاضطراب في المنطقة.
وجاء الموقف السوداني ردًا على تصريحات المشير برهانو جولا، الذي اتهم مصر والسودان وأطرافًا أخرى بتقديم دعم لجماعات مناوئة للحكومة الإثيوبية.
وتأتي الاتهامات المتبادلة وسط توتر متصاعد بين الخرطوم وأديس أبابا خلال الأشهر الأخيرة.
وكانت رويترز قد أفادت في فبراير 2026، استنادًا إلى تحقيق ومصادر، بأن إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا لتدريب مقاتلين من قوات الدعم السريع، وهي رواية تنفيها أو لا تؤكدها الأطراف المعنية بصورة مستقلة في جميع تفاصيلها.
وفي الخرطوم، تتواصل أزمة الوقود مع امتداد طوابير الانتظار أمام محطات الخدمة وارتفاع الأسعار في السوق الموازية، ما ينعكس على النقل والأعمال وتكاليف المعيشة.
ويقول سائقون ومواطنون إن الحصول على البنزين والسولار أصبح يتطلب ساعات من الانتظار، بينما يلجأ البعض إلى السوق الموازية لتأمين احتياجاتهم بأسعار أعلى.
وبحسب متعاملين، يبلغ سعر غالون البنزين نحو 37 ألف جنيه سوداني داخل محطات الوقود، مقابل نحو 60 ألف جنيه في السوق الموازية، فيما يصل سعر غالون السولار إلى نحو 45 ألف جنيه داخل المحطات ونحو 56 ألف جنيه في الأسواق غير الرسمية.
وتؤدي أزمة الوقود إلى فقدان ساعات من العمل وارتفاع تكاليف التنقل، إضافة إلى زيادة الأعباء على الأسر والقطاعات المرتبطة بالنقل والخدمات.
وفي المقابل، تؤكد وزارة الطاقة والنفط السودانية توفر الوقود واستمرار وصول الإمدادات إلى محطات الخدمة.
وقالت الوزارة في بيان صدر في 16 سبتمبر 2026 إن الازدحام في بعض المحطات يرتبط بعدة عوامل، بينها تباطؤ بعض الإجراءات المصرفية التي أثرت على عمليات شراء الوقود، وتأخر بعض شحنات النفط، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري على خلفية التطورات في منطقة مضيق باب المندب.
وأوضحت الوزارة أنها اتخذت إجراءات للحد من تأثير هذه العوامل وضمان استمرار الإمدادات، مشيرة إلى أن بعض التحديات ترتبط بظروف إقليمية خارجة عن نطاق السيطرة المباشرة.
ويربط الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي الأزمة أيضًا بتداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وصعوبات الاستيراد ونقص النقد الأجنبي واضطراب سلاسل الإمداد، إلى جانب محدودية المخزون ومشكلات التخزين والتوزيع والرقابة.
وعلى المستوى الدبلوماسي، شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة سجالًا بين السودان والإمارات وتشاد بشأن الحرب والتدخلات الخارجية والأسلحة والوضع الاقتصادي.
واتهم المندوب السوداني الحارث إدريس الإمارات بدعم قوات الدعم السريع عسكريًا ولوجستيًا، والسعي إلى إنشاء إدارة موازية في نيالا، واستخدام مقاتلين أجانب وتدريبهم على تشغيل الطائرات المسيّرة والمدفعية ومنظومات الدفاع الجوي، إضافة إلى تهريب موارد استراتيجية.
كما اتهم إدريس الإمارات بالتورط في تزوير العملة السودانية وإيصالها إلى نيالا لدعم منظومة مالية موازية، مشيرًا إلى تداول فئتي 500 و1000 جنيه سوداني في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وهما إصداران يحملان توقيع المحافظ السابق حسين يحيى جنقول.
ورفض المندوب الإماراتي الاتهامات السودانية، مؤكدًا رفض أبوظبي تحميلها مسؤولية النزاع، ودعا إلى هدنة إنسانية فورية ووقف دائم لإطلاق النار وإطلاق عملية سياسية مدنية مستقلة.
واتهم المندوب الإماراتي القوات المسلحة السودانية بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين واستخدام أسلحة كيميائية، مستندًا إلى ما وصفها بتحقيقات دولية، فيما رفض إدريس هذه الاتهامات وطالب بأدلة فنية وعينات ميدانية يمكن التحقق منها.
كما اتهم المندوب السوداني الإمارات بالسعي إلى توسيع حظر الأسلحة ليشمل القوات المسلحة السودانية، واستخدام أدوات سياسية واقتصادية وأمنية قال إنها تزعزع استقرار السودان والمنطقة.
وفي السياق نفسه، رفض ممثل تشاد اتهامات الخرطوم بشأن دور بلاده في الحرب، وأكد التزام نجامينا بالحياد وعدم السماح باستخدام الأراضي أو البنية التحتية التشادية لخدمة أي طرف في النزاع.
وتعكس هذه التطورات تداخل المسارات العسكرية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية في السودان، في وقت تستمر فيه العمليات القتالية في كردفان، وتتفاقم الضغوط المعيشية في الخرطوم، بينما تتصاعد الخلافات بين الحكومة السودانية ودول إقليمية بشأن الدعم الخارجي ومسارات الحرب.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا