من غدامس إلى طرابلس والخمس.. معالم ليبية تروي تاريخ البلاد - عين ليبيا
تحتضن ليبيا معالم تاريخية ومعمارية تعكس تنوع الموروث الحضاري الذي تشكل عبر قرون من التفاعل بين المجتمعات المحلية والتأثيرات الثقافية والسياسية المختلفة، ومن بين هذه الشواهد أُدرجت أربعة مواقع ليبية في سجل التراث المعماري والعمراني العربي التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو»، وهي قرية تونين في غدامس، والسرايا الحمراء وبرج الساعة في طرابلس، وزاوية علي الفرجاني في منطقة كعام بمدينة الخمس.
ويأتي إدراج هذه المعالم ضمن جهود توثيق التراث الليبي وإبراز قيمته التاريخية والمعمارية، وتعزيز حضوره على المستوى العربي، بما يسلط الضوء على مواقع لا تقتصر أهميتها على مبانيها، بل تمتد إلى ما ارتبط بها من أنشطة علمية ودينية وإدارية واجتماعية.
قرية تونين.. ذاكرة علمية في محيط غدامس
تقع قرية تونين على بعد نحو 3 كيلومترات من مركز مدينة غدامس، في شمال غرب ليبيا، بالقرب من المثلث الحدودي الذي يجمع ليبيا والجزائر وتونس، وعلى مسافة تقارب 650 كيلومترًا من العاصمة طرابلس.
وتشير البيانات المنشورة في المرصد العربي للتراث المعماري والعمراني التابع للألكسو إلى أن القرية كانت تُعرف باسم «زاوية سيدي معبد»، نسبة إلى مؤسسها معبد بن عمرو بن الفضيل، قبل أن يتغير اسمها إلى تونين، الذي يعني «ذات الآبار»، قرابة عام 1200 هجري.
وتكتسب القرية أهميتها التاريخية من احتضانها زاوية سنوسية قديمة أسسها أحد أجداد الملك السنوسي محمد بن علي السنوسي، وأصبحت مقصدًا لطلاب العلم من مناطق ليبية ودول إفريقية ومجاورة، قبل أن يتراجع دورها التعليمي عقب إنشاء زاوية أخرى في غدامس.
ولا تقتصر قيمة تونين على تاريخها الديني والتعليمي، إذ تحتفظ بنمط عمراني قريب من طراز مدينة غدامس القديمة، مع اختلاف في توزيع الطوابق؛ فمنازل القرية تتكون أساسًا من طابق أرضي وسطح، في حين تميزت منازل غدامس القديمة بتعدد الطوابق والمناسيب.
وتتكون القرية من ثلاث مجموعات عائلية ارتبطت تاريخيًا بأبناء معبد وأبناء بشر وأبناء عبد القادر، قبل أن تتداخل روابطها الاجتماعية عبر النسب والمصاهرة.
ويبرز ميدان الرحبة بوصفه مركز القرية، إذ تتوسطه مصاطب مخصصة لجلوس كبار السن، ويرتبط بالجامع والمجلس، كما تتصل ناحيته الشمالية بقناة «تَصاروت» التاريخية، بينما تقع البساتين غربًا والجامع العتيق شرقًا.
وتشير بيانات الألكسو إلى بقاء نحو 50 منزلًا من مباني القرية، بعضها يعاني التهالك، وهو ما يعزز أهمية أعمال التوثيق والصيانة للحفاظ على هذا النسيج العمراني.
وتكتسب تونين قيمة إضافية من ارتباطها بالمحيط التاريخي لغدامس، التي تصفها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» بأنها واحدة من أقدم المدن الواقعة جنوب الصحراء، ونموذج بارز للاستيطان التقليدي في الواحات، حيث صُممت المنازل وفق توزيع رأسي للوظائف، واستُخدمت الممرات المسقوفة لتوفير الظل وتنظيم الحركة داخل المدينة.
وقد أدرجت اليونسكو مدينة غدامس القديمة على قائمة التراث العالمي عام 1986، وفق بيانات مركز التراث العالمي.
السرايا الحمراء.. قلعة ارتبطت بالحكم والتحولات السياسية
تُعد السرايا الحمراء، المعروفة أيضًا بقلعة طرابلس، من أبرز المعالم التاريخية في العاصمة، إذ ارتبطت بوظائف دفاعية وإدارية وسياسية خلال مراحل مختلفة من تاريخ المدينة، وتحمل تسميتها صلة باللون الأحمر الذي اتسمت به أجزاء من مبانيها.
وشهدت القلعة تحولات متعاقبة في ظل تعاقب السلطات على طرابلس، وتذكر وكالة الأنباء الليبية أن العثمانيين استولوا عليها عام 1551، وأدخلوا عليها إضافات تحت إشراف مراد آغا، قبل أن تشهد تطويرات أخرى خلال عهد الأسرة القرمانلية.
وفي عام 1711، أجرى أحمد باشا القرمانلي تغييرات داخل القلعة، وأضاف إليها مرافق ذات وظائف إدارية وخدمية، شملت تحصينات دفاعية وديوانًا للقضاء وصيدلية حكومية ومخازن مرتبطة بالحاكم.
ولم تكن السرايا مجرد منشأة عسكرية، بل شكلت مركزًا لإدارة شؤون الحكم، وشهدت قاعاتها استقبال القناصل الأجانب واعتمادهم، إلى جانب توقيع اتفاقيات مع دول أجنبية خلال العهد القرمانلي، وفق ما أوردته وزارة الثقافة والتنمية المعرفية في مادة تناولت مكانة السرايا ودورها في التاريخ الدبلوماسي الليبي.
ومع الاحتلال الإيطالي عام 1911، اتخذت سلطات الاحتلال القلعة مقرًا للحاكم العسكري، وخصصت أجزاء منها للأنشطة المتحفية، لتتحول تدريجيًا إلى فضاء لحفظ الآثار والشواهد التاريخية.
وتضم السرايا مباني وقاعات وأروقة تحتوي على قطع أثرية وأعمال فنية ومخطوطات عربية وإسلامية، إلى جانب آثار تعود إلى العهد الروماني، من بينها قطع فخارية وأحجار ولوحات فسيفسائية.
ومن المراجع التي تناولت تاريخ القلعة ووثائقها كتاب «حكاية قلعة طرابلس (السرايا الحمراء)» لمحمد الصديق أبو حامد، الصادر عام 2008، وكتاب «وثائق السراي الحمراء بمدينة طرابلس» لمحمد الطاهر عريبي، الصادر عن مصلحة الآثار عام 1977، وهما من المراجع التي تسلط الضوء على تاريخ القلعة ووظيفتها الإدارية والسياسية عبر مراحل مختلفة.
زاوية علي الفرجاني.. مدرسة دينية حافظت على دورها العلمي
تقع زاوية وجامع علي الفرجاني في منطقة كعام، شرقي مدينة الخمس بنحو 16 كيلومترًا، وترتبط بالشيخ علي مفتاح الفرجاني، الذي عُرف بنشاطه في تدريس العلوم الشرعية وتحفيظ القرآن الكريم.
وتشير دراسة أكاديمية بعنوان «الموروث الثقافي بمنطقة الخمس وسبل حمايته والمحافظة عليه»، أعدها محمد الخازمي وماجد أبو خطوة وأبو راوي المرخية، إلى أن الزاوية تعود إلى أوائل القرن الثامن عشر الميلادي، وتندرج ضمن المعالم الدينية والتاريخية البارزة في المنطقة.
وتوضح الدراسة أن المبنى يتخذ شكلًا مستطيلًا تبلغ أبعاده نحو 36 مترًا طولًا و26 مترًا عرضًا، ويتوسطه صحن تحيط به أربعة أروقة، تتوزع خلفها مرافق أساسية تشمل بيت الصلاة وقبة الضريح والخلاوي وقاعة التدريس.
ويكشف هذا التخطيط عن الوظائف المتعددة التي أدتها الزاوية، إذ لم تقتصر على إقامة الشعائر الدينية، بل ضمت فضاءات للتعليم والإقامة، بما يعكس طبيعة الزوايا التقليدية بوصفها مراكز للعبادة ونقل المعرفة واستقبال طلاب العلم.
وتشير تقارير إعلامية محلية إلى أن الزاوية واصلت استقبال طلاب من مدن وقرى ليبية مختلفة، وأنها ظلت مرتبطة بتحفيظ القرآن الكريم وتخريج أجيال من حفظته، وهو ما منحها مكانة تتجاوز حدود منطقة كعام.
وتأتي أهمية هذا المعلم ضمن الموروث الديني والعمراني لمدينة الخمس ومحيطها، الذي يضم مساجد وزوايا ومنشآت تاريخية ارتبطت بالحياة الاجتماعية والتعليمية، وتوثق مراحل من تاريخ المنطقة.
برج الساعة.. علامة معمارية من العهد العثماني
يقع برج الساعة في المدينة القديمة بطرابلس، بالقرب من مدخل سوق الترك وسوق المشير، ويُعد من المعالم التي ارتبطت بالحياة اليومية لسكان العاصمة منذ القرن التاسع عشر.
وتشير بيانات المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية إلى أن والي طرابلس علي رضا باشا أمر ببناء البرج خلال الفترة الممتدة بين عامي 1866 و1870، وافتُتح عام 1870، ليصبح معلمًا بارزًا في محيط السرايا الحمراء والأسواق القديمة.
ويتخذ البرج شكلًا مربعًا ويتكون من طابقين، وتعلو كل واجهة من واجهاته الأربع ساعة، كما تزينه أعمدة رخامية، ويطل ببابه على الميدان المحيط به.
وتصفه المصادر التاريخية والمعمارية بأنه أحد نماذج أبراج الساعات التي ظهرت في المدن العثمانية خلال القرن التاسع عشر، في إطار انتشار هذه المنشآت بوصفها معالم عمرانية مرتبطة بتنظيم الوقت والحياة العامة في المراكز الحضرية.
وتشير مادة منشورة في مجلة «العمارة والفنون والعلوم الإنسانية»، تناولت أبراج الساعات العثمانية، إلى أن برج طرابلس يعود إلى الفترة بين عامي 1866 و1870، ضمن نماذج أبراج الساعة التي شُيدت خارج مركز الدولة العثمانية.
وكانت دقات الجرس تصل إلى سكان المدينة القديمة، ليؤدي البرج وظيفة تتجاوز كونه عنصرًا معماريًا، إذ ارتبط بإيقاع الحياة اليومية في الأسواق والأحياء المحيطة به.
ويبرز البرج اليوم بوصفه شاهدًا على مرحلة من تاريخ طرابلس العمراني خلال العهد العثماني الثاني، ويكمل حضوره التاريخي قرب السرايا الحمراء والأسواق القديمة صورة النسيج المعماري الذي تشكلت منه المدينة.
ويعكس إدراج هذه المواقع الأربعة في سجل التراث المعماري والعمراني العربي تنوع الموروث الليبي، بين القرى الصحراوية ذات الطابع الواحي، والقلاع التي ارتبطت بالحكم والتحولات السياسية، والزوايا التي أدت دورًا دينيًا وتعليميًا، والمنشآت العمرانية التي نظمت الحياة العامة في المدن.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا