من يخالفني في ما قلت فليردها عليَّ - عين ليبيا

من إعداد: م. فتحي الشبلي

في ليبيا.. لم يعد الخلاف السياسي وحده هو ما يثير الخوف، بل ذلك التآكل البطيء في الروح الوطنية، وذلك التحول الخطير الذي جعل بعض الليبيين ينظرون إلى بعضهم باعتبارهم “مدناً متقابلة” لا شعباً واحداً.

المؤلم أن خطاب الكراهية لم يعد هامشياً أو معزولاً، بل أصبح يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى التعليقات والمنشورات والمزاح وحتى النقاشات العابرة، حتى صار الانتماء إلى مدينة معينة كافياً أحياناً لإطلاق الأحكام الجاهزة والتشكيك والسخرية والاحتقار.

مرة باسم “المدنية”، ومرة باسم “الأصول”، ومرة باسم “الدواخل”، ومرة باسم “العاصمة”، وكأن ليبيا تحولت إلى جزر نفسية متنافرة، لا إلى وطن يجمع أبناءه.

والمفارقة العجيبة أن الجميع يتحدث عن الوطنية، لكن كثيرين يمارسون أبشع أنواع الفرز الاجتماعي والمناطقي دون أن يشعروا. فبعض الناس يريد وطناً على مقاس مدينته، واحتراماً مشروطاً يشبهه فقط، بينما الحقيقة البسيطة التي يرفضها المتعصبون هي أن الأخلاق لا تُولد مع الإنسان من اسم مدينته، بل من تربيته ووعيه وإنسانيته.

لا توجد مدينة فاضلة في ليبيا.. ولا مدينة ملعونة بالكامل. في كل مكان هناك الشريف والانتهازي، الكريم والحقود، الوطني والوصولي. لكن عقولاً كثيرة أرهقتها سنوات الفوضى أصبحت تبحث عن “عدو داخلي” تعلق عليه فشلها وغضبها وخيباتها.

لقد دفعت الحروب والانقسامات والإعلام التحريضي الليبيين إلى حالة من الشك المتبادل، حتى بات البعض يفسر كل موقف من زاوية جهوية أو مناطقية، وكأن الوطن انتهى وتحولت ليبيا إلى معسكرات اجتماعية متقابلة.

الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الخطاب لا يهدم العلاقات بين الناس فقط، بل يهدم فكرة الدولة نفسها. لأن الدولة لا تقوم على الكراهية، ولا تُبنى بعقلية التصنيف، ولا تستقر في بيئة يشعر فيها المواطن أنه مطالب أولاً بإثبات مدينته قبل إثبات وطنيته.

إن الذين يزرعون الأحقاد بين الليبيين اليوم قد يربحون تصفيقاً مؤقتاً على مواقع التواصل، لكنهم يخسرون شيئاً أخطر بكثير: ما تبقى من النسيج الوطني.

ليبيا ليست طرابلس وحدها، ولا برقة وحدها، ولا فزان وحدها… ليبيا هي هذا الامتزاج الإنساني والاجتماعي والتاريخي الذي حاولت السياسة والحروب تفكيكه، لكنه ما زال قادراً على البقاء إن وُجد العقلاء.

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تتقن الإهانة والتقسيم، بل إلى خطاب يعيد تذكير الناس بأن المدن لا تتحارب إلا عندما يفشل الوطن في احتضانها.

فالوطن الحقيقي ليس أن تنتصر لمدينتك ضد الآخرين… بل أن تدافع عن حق الجميع في وطن لا يشعر فيه أحد أنه غريب.

لكِ الله يا ليبيا.. فقد أتعبكِ أبناؤك أكثر مما أتعبكِ أعداؤك.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا