«نشرات أخبار بلا حلول».. الأطرش يكشف لـ«عين ليبيا» كيف تدمر مصالح الكبار مستقبل الليبيين؟ - عين ليبيا
تتواصل في ليبيا محاولات الدفع نحو تسوية سياسية تنهي حالة الانقسام وتضع حدًا للمرحلة الانتقالية، في وقت تتعدد فيه المبادرات والمسارات الدولية والإقليمية والمحلية، بينما لا تزال البلاد تواجه أزمات سياسية واقتصادية وخدمية متراكمة، ومع استمرار حالة الانسداد السياسي، تبرز تساؤلات حول مدى فاعلية هذه المبادرات، وما إذا كان تعددها يمكن أن يسهم في تقريب وجهات النظر أو يؤدي إلى إطالة الأزمة وترسيخ واقع الانقسام.
وقال أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية، أحمد الأطرش، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، إن الفرضية التي تقول إن تعدد المبادرات قد يؤدي إلى تأزيم الأزمة قائمة في أدبيات علم تسوية المنازعات الدولية، موضحًا أن ذلك يحدث خصوصًا في حال غياب التنسيق بين المبادرات وتداخل أدوار الوساطة، وهو ما قد يؤثر سلبًا على أي نزاع أو خلاف أو أزمة في أي دولة.
وأضاف أن هذه الفرضية أثبتت فعاليتها وصحتها في كثير من الحالات، مشيرًا إلى أنه لا يستثني الحالة الليبية منها، خصوصًا من الناحية العملية والواقعية على الأرض.
وأوضح الأطرش أن تعدد المبادرات قد يدفع بعض الأطراف الإقليمية والدولية إلى تبني مقاربة تقوم على إبقاء الوضع كما هو عليه، أي استمرار ليبيا في حالة «اللا سلم واللا حرب»، بما يجعلها، وفق تعبيره، «دولة اللا دولة»، ويطيل فترة المراوحة التي تنعكس على الأوضاع الداخلية.
وأشار إلى أن استمرار هذه الحالة قد يحقق أهدافًا ومآرب لأطراف إقليمية ودولية منغمسة في الشأن الليبي، لافتًا إلى أن ذلك يعزز دعم بعض الأطراف لهذه المقاربة لأنها تطيل أمد الأزمة وترسخ فكرة بقاء سلطات الأمر الواقع في الحكم، بما يسمح بتحقيق مصالحها الضيقة والاستفادة من استمرارها في السلطة.
وقال إن الصراع القائم في ليبيا مرتبط بهذا الأمر، مشيرًا إلى أن الشواهد كثيرة على ما حدث خلال السنوات الماضية، حيث إن كل من تولى السلطة، إلا ما ندر، تشبث بها واستميت في البقاء فيها، مستدلًا على ذلك ببقاء المؤسسات التشريعية لأكثر من عقد من الزمن.
واعتبر أن هذا الوضع قد يحدث بوعي أو من دونه، وبعمد أو من دونه، من جانب أطراف محلية تحظى بدعم مباشر أو غير مباشر، معلن أو خفي، من أطراف إقليمية وأجنبية لها أيضًا مصالح في إبقاء الوضع المتأزم في ليبيا على حاله.
مبادرة بولس وخارطة الطريق
وفي ما يتعلق بتداخل المبادرات، تطرق الأطرش إلى مسار مبادرة بولس وخارطة الطريق، مشيرًا إلى أن البعثة الأممية قدمت العديد من المبادرات التي انتهت، بحسب وصفه، إلى الفشل أو التمييع.
وقال إن مبادرة بولس تأتي من وجهة نظر أميركية بحتة، ولا يخفى، بحسب تقديره، أنها تمثل مصالح قوى عظمى، مستشهدًا بما وصفه بتقارب وجهات النظر الدولية في فترات معينة وتباعدها في فترات أخرى.
وانتقد الأطرش ما وصفه بتكرار إحاطات رئيسة البعثة الأممية، معتبرًا أنها تحولت إلى ما يشبه «نشرات أخبار» تنقل ما يحدث في ليبيا من دون تقديم حلول عملية، مشيرًا إلى العقوبات التي فرضها مجلس الأمن على الأطراف المعرقلة للتسوية، وقال إنه لم يحدث شيء في هذا الجانب.
وأضاف أن البعثة الأممية، ورئيسة البعثة الأخيرة التي قال إنها العاشرة في ليبيا، تكتفي بنقل الأخبار وكأنها مراسلة لما يحدث في البلاد، من دون وضع حلول.
وأوضح أن البعثة قد تكون معذورة من هذا الجانب لأنها لا تمثل، في رأيه، منظمة دولية قادرة فعليًا على فرض إرادتها على أعضائها وعلى المجتمع الدولي بصورة عامة، باعتبار أن أعضاءها من أصحاب النفوذ والقدرة، وأنهم يمثلون كذلك السياسة الدولية القائمة على التنافس لتحقيق مصالح أطرافها.
البعثة الأممية وغياب المسار الحازم
وقال الأطرش إن البعثة الأممية لا تستطيع فرض مسار سياسي، لأنها لا تمثل، بحسب تقديره، إرادة حقيقية للأمم المتحدة، وإنما إرادة الدول الفاعلة إقليميًا ودوليًا، مشيرًا إلى ما وصفه بحالة «تفسخ» في النظام الدولي.
وأضاف أن العديد من المبادرات لم تحقق نجاحًا لأنها لم تكن حازمة، ولم تقع عقوبات فعلية على أي طرف أخلّ بمسار التسوية، كما أنها لم تركز على أهم الملفات القادرة على إنهاء حالة التأزم في ليبيا، وفي مقدمتها إنهاء الانقسام السياسي والمؤسساتي وفرض إجراء الانتخابات.
وفي سياق حديثه عن مسألة كسب الوقت، قال إن هذه المسألة طبيعية وموجودة في ليبيا وغيرها من النزاعات الدولية، وقد تستخدم لتحقيق غايات معينة، معتبرًا أن ذلك يعيد إلى الواجهة قضية تداخل الوساطات والمبادرات.
وأكد ضرورة وجود جسم موحد يجمع المبادرات ويغربلها، على أن تتم مناقشتها من خلال الكوادر والنخب الليبية الحقيقية.
وأشار، بصفته أستاذًا جامعيًا، إلى أنه لم يرَ البعثة الأممية تقوم بحوار أكاديمي داخل إحدى الجامعات الليبية، معتبرًا أن هذا هو بالضبط ما كان يفترض أن تقوم به.
وأوضح أن المقصود ليس مجرد مشاركة أكاديميين في بعض الأنشطة، وإنما إجراء حوار أكاديمي موضوعي ووطني تستمع خلاله البعثة إلى وجهة نظر الأكاديمي الوطني الموضوعي غير المنحاز لأي طرف في النزاع.
غياب الحلول العملية والتوافق الليبي
ورأى الأطرش أن المشكلة لا تتمثل فقط في غياب الحلول أو غياب التوافق الليبي، بل إن الأمرين مكملان لبعضهما البعض، مشيرًا إلى وجود غياب لحلول يمكن تطبيقها على أرض الواقع، أي حلول عملية وحقيقية وواقعية تتعاطى مع ما يريده الشارع الليبي.
وأضاف أن هذه الحلول تصطدم أيضًا بعدم توافق الأطراف وسلطات الأمر الواقع معها، لأنها لا تتوافق مع مصالحها، معتبرًا أن التركيز على قضايا ثانوية بدلًا من حسم الملفات الأساسية يمثل أحد أسباب استمرار الأزمة.
وقال إن الإحصاءات والبيانات تتحدث دائمًا عن أمور ثانوية، بينما كان يفترض التركيز على قضايا أخرى، مثل إنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسساتي والتعجيل بإجراء الانتخابات وغيرها من الملفات الأساسية.
سيناريو المرحلة المقبلة
وحول السيناريو المقبل، قال الأطرش إنه يأمل ألا يكون متشائمًا، مؤكدًا أنه يحاول دائمًا أن يكون متفائلًا ولكن بحذر، إلا أنه يرى في هذه الحالة أن الأوضاع البائسة التي تمر بها البلاد وحالة التردي المتزايد الذي يعانيه الشارع الليبي، حتى في أبسط الأمور والمتطلبات التي تعد من أساسيات حياة البشر، لا تبشر، للأسف، بأن الأوضاع ستتحسن.
وأشار إلى أزمات الطاقة والكهرباء والمياه والخبز وغيرها من الاحتياجات الأساسية، معتبرًا أن استمرار هذه الأوضاع، إلى جانب استمرار الأطراف المتصارعة وسلطات الأمر الواقع في التمسك بالسلطة والمال، يجعل المشهد أكثر صعوبة.
ولفت إلى أن بقاء هذه السلطات في السلطة لأكثر من عقد من الزمن تجاوز، بحسب تقديره، الحكم من الجانب التشريعي أو الشرعي أو المشروعي، ووصل كذلك إلى حد تجاوز الجانب الأخلاقي المرتبط بالبقاء في السلطة.
وقال إن الأطراف أصبحت متشبثة بصورة غير مسبوقة بالبقاء في السلطة، إلى درجة وصلت، بحسب تعبيره، إلى قناعة «أنا ومن بعدي الطوفان»، مستشهدًا بما نسبه إلى الملك الفرنسي لويس الرابع عشر من معنى «أنا الدولة».
وأضاف أن حالة التشبث والعناد والتعنت والبقاء في السلطة، إلى جانب ما وصفه بالنهب والفساد واللصوصية وكل الممارسات المشينة، في بلد له تاريخ وشعب له أمجاد، تقود للأسف إلى توقع استمرار حالة المراوحة وبقاء الوضع على ما هو عليه.
واستدرك بأن هذا السيناريو قد يتغير في حال حدوث ردة فعل شعبية عالية، لكنه حذر من أن مثل هذه اللحظة، إذا وصلت إليها البلاد، ستكون موجعة.
وقال إن الشعوب تتحمل وتصبر كثيرًا، وتشهد على ذلك تجارب التاريخ، لكنها عندما تصل إلى مرحلة الحسم قد «تقضي على الأخضر واليابس».
واختتم الأطرش بتحذير الأطراف من الوصول إلى هذه المرحلة، داعيًا من وصفهم بـ«العقول المتحجرة» إلى التراجع إلى حد ما، ووضع الله والوطن أمام أعينهم، والعمل على إنقاذ ليبيا من هذا المأزق.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا