هل سنحظى بصيفٍ مظلم؟ - عين ليبيا

من إعداد: سوزان حمي

الساعة الثانية بعد منتصف الليل، لا تسمع في شارعنا إلا صوت مولدين. واحد يئنّ كأنه يتوسل، والثاني يصرخ. في الشقة المقابلة، ضوء شمعة يتحرك ببطء، أم تحاول تبريد دواء لابنها بقطعة ثلج ذابت نصفها. في الأسفل، شاب يفتح باب المحل على أمل أن يعود التيار قبل أن يفسد الحليب.

هذا ليس مشهدا استثنائيا. هذا صيفنا عندما تغيب الكهرباء. ومعه، جاء التحذير الذي لم يعد يحتمل التأويل.

في 8 يونيو، قالت الشركة العامة للكهرباء ما لم تقله من قبل بهذا الوضوح: محطات التوليد وصلت إلى مرحلة حرجة بسبب نقص الوقود والغاز، والعجز في الشبكة يقترب من ألف ميغاوات، وإن استمر التأخير فسنواجه انهيارات تشغيلية وإظلامات قد تكون كلية.

بعد يوم واحد، ردت الحكومة بخطاب رسمي. وزير الدولة محمد غلبون طلب من رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان ورئيس الكهرباء عبدالله حمودة تنسيقا عاجلا، وفرق عمل مشتركة، وأن يكون طرح الأحمال، إن حدث، عادلا وشفافا بين المدن.

بين الورقتين، هناك مسافة كبيرة اسمها الناس.

الناس لا يقرأون المذكرات. الناس يعدّون الساعات. في مصراتة، انقطع التيار ثلاث مرات في يوم واحد الأسبوع الماضي. في الزاوية، خباز أطفأ فرنه في منتصف النهار بعد أن نفد وقود المولد، وترك طابور الزبائن ينتظر الخبز تحت الشمس. في طرابلس، طالبة ثانوية تذاكر على ضوء هاتفها لأن الامتحانات لا تنتظر عودة التيار. هذه ليست أرقاما، هذه حياة تتآكل بصمت.

نعم، الأزمة مركبة. ليست وقودا فقط. هي أيضا ثقة مكسورة. عندما لا نعرف كم وصل من غاز اليوم، ولا أي محطة ستتوقف غدا، ولا لماذا ينقطع حينا ست ساعات وحي آخر ساعتين، يتحول العجز الفني إلى شعور عميق بالظلم.

لذلك، ما نحتاجه ليس بيانا جديدا، بل ثلاثة أشياء بسيطة تعيد للناس إحساسهم بأنهم يُرون:

أولا، نشرة كل خميس، صفحة واحدة، تقول بوضوح: كم استلمنا من وقود، كم ننتج الآن، وكم نتوقع أن نعجز. لا لغة فنية، بل كلام يفهمه صاحب المخبز.

ثانيا، جدول طرح أحمال منشور كل صباح، ليس على ورق داخلي، بل على صفحة الشركة. حتى تعرف الأم متى تشحن جهاز التنفس، ويعرف التاجر متى يغلق ثلاجته.

ثالثا، صوت. مسؤول يخرج مرة في الأسبوع، لا ليبرر، بل ليشرح. يقول أخطأنا هنا، وسنصلح هناك. الشفافية ليست ترفا، هي التي تطفئ الخوف قبل أن تطفئ الكهرباء.

الكهرباء ليست سلكا. هي أم تحفظ دواء، وطفل ينام دون خوف من الحر، ومدينة تشعر أن الدولة ما زالت تسمعها. عندما تتحدث الشركة عن خطر انهيار الشبكة، فهي لا تتحدث عن توربينات، بل عن هذه اللحظات الصغيرة التي تصنع معنى كلمة “حياة”.

تحذير يونيو يمكن أن يكون آخر جرس إنذار نسمعه في الظلام، أو أول خطوة نرى فيها النور. الفرق ليس في كمية الوقود وحدها، بل في قرار بسيط: هل نختار أن نكلم الناس، أم نتركهم يسمعون صوت المولدات فقط؟

الصيف لم يبدأ بعد. وما زال في يدنا أن نكتب ذاكرته بشكل مختلف. ليس كصيف مظلم، بل كصيف تعلمنا فيه أن الكلمة الصادقة تنير أكثر من ألف ميغاوات.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا