50 درجة لم تكن النهاية.. خبير أرصاد يكشف لـ«عين ليبيا» ماذا ينتظر السماء خلال الأيام المقبلة؟ - عين ليبيا
تشهد ليبيا خلال هذه الفترة ارتفاعًا ملحوظًا في درجات الحرارة، بالتزامن مع ارتفاع درجة حرارة سطح البحر وتأثير الرطوبة على الإحساس الحراري، فيما تتجه الأحوال الجوية تدريجيًّا نحو التراجع في درجات الحرارة مع اقتراب موسم الخريف، وسط توقعات بتشكل خلايا رعدية وهطول أمطار على مناطق واسعة من البلاد، ولا سيما الغرب الليبي.
وفي هذا السياق، أوضح خبير الأرصاد الجوية علي أبو خريص، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، أن الارتفاع المسجل في درجات الحرارة هذا العام يرتبط بدورة مناخية طويلة المدى، مؤكدًا ضرورة التفريق بين الدورة المناخية والتغير المناخي، ومشيرًا إلى أن الظواهر التي شهدتها ليبيا سبق أن تكررت خلال سنوات ماضية.
50 درجة في العزيزية
قال أبو خريص إن هذا العام شهد ارتفاعًا كبيرًا في درجات الحرارة نتيجة عدة عوامل، موضحًا أن الجهات الغربية سجلت أعلى درجات الحرارة، وفي مقدمتها منطقة العزيزية التي بلغت فيها درجة الحرارة 50 درجة مئوية، وهي أعلى درجة سُجلت في المناطق الغربية هذا العام.
وأشار إلى أن مناطق الحمادة وسهل الجفارة والجبل الغربي وترهونة، إضافة إلى بعض مناطق الجنوب، تسجل عادةً أعلى درجات الحرارة خلال فصل الصيف، موضحًا أن درجات الحرارة في المناطق الغربية تراوحت هذا العام بين 48 و49 درجة مئوية في عدد من المناطق، بينما بلغت أعلى درجة مسجلة 50 درجة في العزيزية.
وأكد أن ارتفاع الحرارة الحالي لا يمثل، في تقديره، تغيرًا مناخيًّا، وإنما يأتي ضمن دورة مناخية طويلة المدى، موضحًا أن درجات الحرارة تتفاوت من عام إلى آخر، إلا أن هذا العام شهد تسجيل درجات مرتفعة بصورة ملحوظة.
العزيزية وسجل 58 درجة سابقًا
ولفت أبو خريص إلى أن منطقة العزيزية معروفة منذ زمن طويل بتسجيل درجات حرارة مرتفعة، مشيرًا إلى تسجيلها في عامي 1922 و1923 درجة حرارة بلغت 58 درجة مئوية، والتي عُدّت آنذاك أعلى درجة حرارة على مستوى العالم.
وأوضح أن هذا التسجيل أُلغي لاحقًا، في حين توجد محاولات لإعادته إلى السجلات، بسبب استمرار التشكيك في صحة تلك الدرجة، مؤكدًا أن أعلى درجة سُجلت في العزيزية هذا العام بلغت 50 درجة مئوية وفق سجلات المناخ.
وأضاف أن الجفاف الذي تعانيه المنطقة وانعدام ري الأراضي ساهما في تعرضها المباشر للحرارة، وهو ما انعكس على ارتفاع درجات الحرارة فيها.
ارتفاع حرارة البحر يزيد الإحساس بالرطوبة
وبيّن خبير الأرصاد أن ارتفاع درجة حرارة سطح البحر يؤدي إلى زيادة تشبع الهواء القريب من سطحه ببخار الماء، ومع حلول المساء يتحرك الهواء باتجاه اليابسة نتيجة نسيم البحر، ما يسهم في تراجع درجات الحرارة أو تلطيفها، لكن تأثير الرطوبة يبقى واضحًا على السكان، فيشعر الناس وكأن درجة الحرارة أعلى من درجتها الفعلية.
وأوضح أن هذا التأثير يظهر خصوصًا في المناطق الساحلية، سواء على الساحل الشرقي أو الغربي، مشيرًا إلى أن درجات الحرارة في الشمال الشرقي تكون في مستويات جيدة، وقد تتراوح بين 28 و32 أو 33 درجة مئوية، لكن ارتفاع الرطوبة يجعل الإحساس بالحرارة أعلى.
وأضاف أن الساحل الغربي يشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة، إلا أن التراجع سيكون واضحًا مع منتصف الأسبوع.
القبة الحرارية شملت مناطق واسعة من المتوسط
وفي ما يتعلق بظاهرة «النينيو»، أوضح أبو خريص أن هذه الظاهرة لا تحدث في منطقة حوض البحر المتوسط، وإنما ترتبط بالمحيطات، مشيرًا إلى أن ما شهدته المنطقة هذا العام ارتبط بارتفاع درجات الحرارة وما أُطلق عليه «القبة الحرارية»، التي شملت المغرب والجزائر وإسبانيا والبرتغال وتونس، وتأثرت بها ليبيا أيضًا نتيجة ارتفاع حرارة سطح البحر المتوسط وتشبع الهواء ببخار الماء.
وأشار إلى أن ليبيا كانت أقل حرارة مقارنة بعدد من دول المغرب العربي وإسبانيا والبرتغال، موضحًا أن المغرب، بحكم إطلالته على المحيط، يتأثر بصورة أكبر بالظواهر المرتبطة بالمحيطات.
وأضاف أن هذه الظاهرة، في تقديره، طبيعية، وتحدث خلال فصلي الصيف والخريف، نتيجة التسخين الذي يحدث على المسطحات المائية والمحيطات، وما يترتب عليه من تشبع الهواء ببخار الماء، وهو ما يساهم في زيادة الحرارة أو رفع الإحساس بها نتيجة الرطوبة.
وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة ظاهرة سبق أن شهدتها دول عدة، مشيرًا إلى تسجيل درجات مرتفعة في إسبانيا والبرتغال خلال سنوات ماضية، وكذلك في مناطق من آسيا وشرق آسيا، لافتًا إلى مشاهد سابقة لقيام أشخاص بالسباحة في النوافير والبحيرات وبعض المسطحات المائية داخل المدن خلال فترات ارتفاع الحرارة.
الدورة المناخية وليست تغيرًا مناخيًّا
وشدد أبو خريص على أنه لم يصرح يومًا بأن ما تشهده ليبيا يمثل تغيرات مناخية، مؤكدًا أن تصريحه واضح أمام وسائل الإعلام وأنه مسؤول عن ما يقوله.
وأوضح أن هناك ضرورة للتمييز بين «الدورة المناخية» و«التغير المناخي»، معتبرًا أن وصف ظاهرة ما بأنها تغير مناخي يرتبط بحدوث ظاهرة لم يسبق تسجيلها أو حالة جوية غير معتادة، بينما ما شهدته ليبيا حتى الآن، بحسب قوله، سبق أن تكرر خلال سنوات ماضية.
الزراعة وتراجع الغطاء النباتي
وفي ما يتعلق بالعوامل التي تؤثر في درجات الحرارة، دعا أبو خريص إلى إنشاء محطات بحرية وربطها بالمناطق الزراعية القريبة من المدن الساحلية، مشيرًا إلى أن الدولة اهتمت بالزراعة خلال سنوات 1970 و1971 و1972 و1973، وهو ما أسهم آنذاك في تراجع درجات الحرارة في مناطق سهل الجفارة نتيجة ري مساحات واسعة، خاصة المناطق التي كانت تشهد الزراعة الصيفية.
وأوضح أن هذه الزراعة تراجعت نتيجة الاستهلاك المفرط للمياه، كما استُنزفت المخزونات الأولى من المياه الجوفية، ما أدى إلى تراجع المساحات الزراعية وتحول مناطق إلى شبه صحراوية.
وأضاف أن تراجع المناطق الزراعية أدى إلى عودة ارتفاع درجات الحرارة في مناطق سهل الجفارة والجبل الغربي.
تراجع الحرارة وتقلبات جوية مرتقبة
وحول الفترة المقبلة، توقع أبو خريص أن تكون درجات الحرارة أقل من المستويات التي سُجلت خلال الفترة الماضية، مشيرًا إلى أن الحرارة لن تستمر طويلًا عند مستوياتها الحالية، وأن الطقس سيشهد تراجعًا في درجات الحرارة اعتبارًا من بعد الأحد على الجهات الغربية.
كما توقع حدوث تقلبات جوية في طبقات الجو العليا على الجهات الغربية، مع احتمالية تشكل خلايا رعدية وهطول أمطار خلال موسم الخريف.
وأوضح أن السحب الاستوائية من المتوقع أن تتحرك من خط الاستواء باتجاه الشمال، لتتجاوز الحدود الليبية وتشمل مناطق من الغرب الليبي، مع توقعات بهطول أمطار على مناطق من الجنوب والشمال الغربي.
وأشار إلى أن الأمطار المتوقعة قد تكون غزيرة وتشمل مناطق واسعة من ليبيا، مؤكدًا أن ذلك متوقع خلال الفترة القريبة المقبلة.
أمطار رعدية على الغرب الليبي
وقال أبو خريص إن الغيوم والخلايا الرعدية ستبدأ في التكون من الجنوب الغربي، مع تحرك سحب من مناطق خط الاستواء شمالًا، إلى جانب بعض السحب والخلايا الرعدية التي قد تتشكل على تونس وتدخل إلى الساحل الغربي الليبي.
وأضاف أن الأمطار المتوقعة ستكون رعدية، وأنه يتوقع أن تكون جيدة هذا العام في مختلف المناطق، خاصة المرتفعات، مشيرًا إلى أن مثل هذه الحالات سُجلت خلال سنوات ماضية في الجهات الغربية.
وأكد مجددًا أن هذه الظواهر لا تمثل، وفق تقديره، تغيرًا مناخيًّا، وإنما تدخل ضمن الحالات الجوية الطبيعية التي سبق أن شهدتها البلاد.
الحرارة والكهرباء تزيدان معاناة المواطنين
وفي ما يتعلق بالاستهلاك الكهربائي خلال موجات الحرارة، أوضح أبو خريص أن التكييف يلعب دورًا كبيرًا في المنازل خلال الأجواء الحارة، لكن نقص الوقود وما يترتب عليه من انقطاع التيار الكهربائي يجعلان بقاء المواطنين داخل منازلهم أكثر صعوبة.
وأشار إلى أن أشعة الشمس تكون شديدة في الشوارع، بينما تمثل الشواطئ متنفسًا للعائلات، داعيًا المواطنين إلى تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس، خصوصًا خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة.
وأكد أنه سبق أن قدم، عبر النشرات الجوية، ملاحظات وتوجيهات للمواطنين بشأن التعامل مع الحرارة، خاصة في ظل انقطاع الكهرباء وعدم توفر وسائل التبريد بصورة مستقرة.
الإنذار المبكر يحتاج إلى وعي واستجابة
وحول أجهزة الإنذار المبكر والتحذيرات من الظواهر الجوية، أوضح أبو خريص أن علم الأرصاد يستطيع التنبؤ بحدوث الظواهر الجوية، بما فيها الأمطار الغزيرة، لكنه لا يستطيع منع الظاهرة أو تقليل قوتها.
وأضاف أن وظيفة الإنذار المبكر تتمثل في تنبيه الناس ورفع مستوى الوعي، خصوصًا خلال الظروف الجوية الصعبة والخلايا الرعدية، داعيًا المواطنين إلى عدم الخروج عند اشتداد الأحوال الجوية، وتجنب الطرق المعروفة بتجمع المياه فيها.
وأشار إلى أن بعض الطرق تكون منخفضة بطبيعتها، ما يجعل المياه تتجمع فيها، داعيًا الجهات المختصة إلى توفير سيارات شفط وسحب المياه من الطرقات.
وشدد على أن التعامل مع هذه الظروف يحتاج إلى مزيد من التوعية والترشيد من الجهات المختصة، إلى جانب توفير البدائل وتجنب الخروج أو التوجه إلى الطرق التي تشهد تجمعات كبيرة للمياه.
أمطار الجنوب وخصائص السحب الاستوائية
وأوضح أبو خريص أن أمطار الجنوب الليبي الناتجة عن السحب الاستوائية تختلف في خصائصها عن الأمطار التي تشهدها مناطق الشمال، مشيرًا إلى أن قطرات المطر في الجنوب تكون أكبر حجمًا، كما يكون صوت الرعد أقوى، نتيجة قوة التيارات الهوائية الصاعدة، ولا سيما فوق المناطق الجبلية، بينما تكون قطرات المطر في الشمال أصغر، ويكون صوت الرعد أقل قوة.
وبيّن أن هذه الأمطار ترتبط بالسحب الاستوائية التي تتركز حول خط الاستواء وتمتد تأثيراتها إلى مناطق جنوب ليبيا، لافتًا إلى أنه، وبحسب متابعته، يشاهد هذا الموسم ولأول مرة سحبًا ظهرت من الجنوب واتجهت شمالًا ثم شرقًا، وعبرت حتى مصر ووصلت إلى الأردن.
وتوقع أبو خريص أن يشهد هذا الموسم أمطارًا جيدة وممتازة على مناطق الجنوب، وسهل الجفارة والمناطق الغربية، مع فرص لهطول أمطار غزيرة وظهور أصوات الرعد، معربًا عن أمله في أن تكون أمطارًا نافعة.
تحذيرات من السيول ومجاري الأودية
وحذر أبو خريص من احتمالية حدوث السيول وجريان الأودية مع الأمطار المتوقعة، داعيًا سكان المناطق البادية ومربي الأغنام والمواشي إلى الابتعاد عن مجاري الأودية.
كما دعا إلى تنظيف مجاري الأودية من المخلفات التي يرميها بعض المواطنين فيها، مؤكدًا أن إزالة هذه العوائق تساعد على تسهيل حركة المياه ومنع عرقلة جريانها.
واختتم حديثه بالتأكيد على أهمية الاستعداد للظروف الجوية المقبلة، متمنيًا السلامة للجميع، ومؤكدًا أن الأمطار المرتقبة أمر مرحب به، قائلًا: «نريد الأمطار، ومرحبًا بالمطر».
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا