50 دينار لـ«شراء دور».. كيف تحولت طوابير الوقود إلى سوق موازية؟ - عين ليبيا
تواصلت طوابير السيارات أمام محطات توزيع الوقود في عدد من المدن الليبية للأسبوع الثالث على التوالي، وسط انتظار المواطنين لساعات طويلة للحصول على الوقود.
وشهدت بعض المحطات إلى جانب طوابير السيارات، اصطفاف مواطنين يحملون براميل بلاستيكية، قالوا إنهم يحتاجون إلى البنزين لتشغيل المولدات الكهربائية، في ظل استمرار انقطاع التيار الكهربائي.
وتداولت معلومات عن إعادة بيع بعض كميات الوقود التي يحصل عليها مواطنون في السوق الموازية بأسعار تصل إلى أكثر من 10 أضعاف السعر الرسمي.
وبرزت خلال الأزمة ظاهرة أخرى تتمثل في بيع «الدور» داخل طوابير الوقود، حيث رصد مراسل وكالة الأنباء الليبية حالات جرى فيها التفاوض على تسليم الدور مقابل مبالغ تتراوح، وفق ما يتداول في محيط بعض المحطات، بين 40 و50 دينارًا.
وتقوم هذه الممارسة على بقاء شخص في الطابور لعدة ساعات، ثم تسليم مكانه لشخص آخر عند اقتراب دوره من محطة التعبئة، قبل العودة إلى نهاية الطابور لتولي دور جديد لصالح شخص آخر.
ويرى مراقبون للشأن الليبي أن اتساع هذه الظاهرة يمكن أن يجعل بعض المشاركين في الطوابير يتعاملون معها كمصدر دخل إضافي، بدل اقتصارها على الحصول على الوقود.
وتواصل شركة البريقة لتسويق النفط تقديم تفسيرات لأزمة الإمدادات عبر موقعها الرسمي، تشمل ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، وانقطاعات الكهرباء، وتأخر بعض شحنات التوريد في ظل ظروف السوق العالمية وارتفاع الطلب، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والهجمات التي طالت منشآت تخزين في منطقة الزاوية.
وقال الخبير الاقتصادي الليبي عبد الرحيم الشيباني إن بعض هذه الأسباب مفهوم ويحتاج إلى المعالجة، لكنه أشار إلى تساؤلات لدى المواطنين بشأن أسباب تكرار أزمة الوقود في ليبيا، وفق وكالة وال.
وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة ظاهرة موسمية لا تقتصر على ليبيا، وأن انقطاع الكهرباء جزء من أزمة محلية مزمنة، مشيرًا إلى أن الحديث عن الطلب العالمي لا يجيب بالضرورة عن سبب تكرار أزمة الوقود بهذه الصورة في بلد يمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في أفريقيا.
وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على نقص الوقود، وإنما تشمل غياب تفسير شامل ومقنع يربط بين مختلف العوامل ويحدد المسؤوليات ويقدم تصورًا واضحًا للحل.
وأعرب مواطنون استطلعت وكالة الأنباء الليبية آراءهم عن مخاوفهم من تأثير أزمة الوقود مع اقتراب موعد العودة المدرسية، خاصة أن عددًا كبيرًا من الأسر يعتمد على السيارات الخاصة في نقل أبنائها، في ظل محدودية خدمات النقل العام.
وقال المواطنون إن استمرار الأزمة مع بداية العام الدراسي يمكن أن يضيف أعباء يومية على الأسر، التي تواجه ساعات طويلة أمام محطات الوقود بالتزامن مع التزامات العمل والدراسة والواجبات الأسرية.
وتتزامن أزمة الوقود مع استمرار انقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما يزيد الضغوط المعيشية على المواطنين.
وفي سياق متصل، أثار منشور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي انتقادات لأحد مسؤولي الشركة العامة للكهرباء، عقب حديثه بإيجابية عن قرار الإدارة الجديدة إلزام المديرين بإحضار أسرّة إلى مكاتبهم، باعتبار ذلك دليلًا على الاستعداد للعمل في ظروف الطوارئ.
وتضمن التعليق المتداول عنوان «حين يتحول فراش المكتب إلى إنجاز كهربائي»، مع تساؤل بشأن ما إذا كان نوم المسؤول في مكتبه سيعيد التيار الكهربائي إلى منزل مواطن.
وأكد الأستاذ في علم الاجتماع إبراهيم بوراس أن إدارة الأزمات لا تبدأ بإدارة الصورة أمام الجمهور، وإنما بإدارة الأزمة نفسها وتقديم المعلومات الدقيقة ومصارحة المواطنين بما يحدث وما يجري اتخاذه لمعالجته.
وقال بوراس: «في بلد يبلغ عدد سكانه نحو سبعة ملايين نسمة، ويمتلك ثروة نفطية ضخمة، يصبح مشهد مئات السيارات المصطفة طوال الليل والنهار للحصول على الوقود سؤالًا أكبر من مجرد أزمة توزيع».
وأضاف أن الأمر «سؤال يتعلق بكفاءة إدارة الموارد، وسلامة منظومة التوزيع، والرقابة على السوق، وقدرة المؤسسات على منع تحول الحاجة الأساسية إلى فرصة للمضاربة».
من جانبه، قال عضو هيئة التدريس بجامعة طرابلس عمر أبو القاسم، الذي التقاه مراسل وكالة الأنباء الليبية في طابور محطة توزيع شارع الجمهورية: «إن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس فقط: متى ينتهي الطابور؟ بل: لماذا بدأ أصلًا، ولماذا يستمر، ولماذا يجد بعض الناس أنفسهم مضطرين إلى شراء دورهم فيه؟».
وتستمر أزمة الوقود في ظل تداخلها مع أزمة الكهرباء وارتفاع كلفة المعيشة واقتراب العام الدراسي، وسط مطالب بإجابات واضحة بشأن أسباب الأزمة وآليات معالجتها وتحديد المسؤوليات.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا