أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان تتيح انضمام دول أخرى إليها، مشيرا إلى أن مصر يمكنها أيضا الانضمام إلى الاتفاقية إذا رغبت في ذلك.
وقال أردوغان، في مقابلة خاصة مع قناة «الجزيرة» ضمن برنامج «المقابلة»، إن الاتفاقية تمثل «نوعا مختلفا من التغيير» وتشكل «فرصة حقيقية لتوجيه رسالة مهمة إلى العالم»، موضحا أن إبرامها في مكة وبصيغة ثلاثية منح الدول الموقعة قوة إضافية.
وأضاف الرئيس التركي أن الاتفاقية تعكس موقف الدول الثلاث المؤيد للسلام، مؤكدا أن اختيار مكة لتوقيعها شكل، بحسب وصفه، «خطوة مهمة من أجل السلام».
وأوضح أردوغان أن مفهوم الدفاع المشترك في اتفاق مكة يشبه المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، قائلا: «ما تتضمنه المادة الخامسة للناتو، هو بالضبط ما يتضمنه مفهوم الدفاع المشترك في اتفاق مكة، ففي حال حدوث أي مشكلة، ستتاح للدول الثلاث فرصة اتخاذ الخطوة اللازمة معا».
وتابع: «سواء تعرضت تركيا أو السعودية أو باكستان لهجوم، فإن الدول الثلاث، باعتبارها أطرافا في ميثاق دفاع مشترك، لديها القدرة على الدفاع عن بعضها بعضا في مواجهة أي هجوم».
وبشأن توسيع الاتفاقية، قال أردوغان: «في الوقت الراهن، إلى جانب هذه الدول الثلاث، قد تنضم إلينا دول أخرى في أي لحظة»، مضيفا: «إذا رغبت مصر أيضا، فإنها يمكن أن تبرم اتفاقا مع الدول الثلاث والباب مفتوح أمامها».
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وقعوا في 7 أغسطس الجاري اتفاقية الدفاع المشترك في مكة المكرمة، بهدف تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي، وتنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا.
وفي ما يتعلق بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أكد أردوغان أن الأولوية بالنسبة إلى تركيا تتمثل في تحقيق السلام وفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة.
وقال: «يجب فتح هذا الممر في أقرب وقت ممكن، وإعادة حركة النفط العالمية إلى طبيعتها في أقصر وقت، حتى لا يتوقف التدفق الغني لحركة النفط في العالم. نحن نؤيد ذلك، وإيران تؤيده أيضا».
وأعرب عن أمله في أن يُفتح مضيق هرمز أمام الملاحة، معتبرا أن ذلك سيكون «الخيار الأمثل» ويساعد بصورة كبيرة في تسهيل حركة السفن وتدفق النفط العالمي.
وحول موقف أنقرة من الهجمات الإيرانية على دول الخليج، قال أردوغان: «نحن لا نؤيد الحرب إطلاقا، بل نؤيد السلام، لكن إسرائيل هي الفاعل الرئيسي في هذه الحرب».
وأضاف: «لقد شجعت إسرائيل الحرب باستمرار، وكانت مؤيدة لها. وبسبب تأييدها للحرب، دفعت دول أخرى ثمنا باهظا. إسرائيل هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن ذلك».
وأشاد الرئيس التركي بالدور الذي تضطلع به قطر وباكستان في جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدا أن البلدين يؤديان «مهاما كبيرة» في هذا المسار، وأن هذا الدور سيستمر خلال المرحلة المقبلة.
وفي الملف السوري، أكد أردوغان أن بلاده ستواصل دعم سوريا، قائلا: «سوريا شقيقتنا، ولن نتركها وحيدة أبدا».
وأضاف: «نحن نقوم بكل ما يقع على عاتق تركيا من أجل استقرار سوريا، وسنواصل القيام بذلك حتى النهاية».
كما أعلن الرئيس التركي أنه سيزور دمشق، قائلا: «سأزور دمشق، إن شاء الله، في أقرب وقت ممكن».
وفي سياق متصل، قال السفير التركي لدى سوريا نوح يلماز إن أردوغان يعتزم إجراء أول زيارة له إلى سوريا قبل نهاية العام الجاري، مشيرا إلى تنامي التقارب بين دمشق وأنقرة وارتفاع مستوى التنسيق بين البلدين.
وأضاف يلماز أن من أكثر الأمور التي تسعد الرئيس التركي حاليا أداء الصلاة في الجامع الأموي بالعاصمة السورية دمشق.
وأشار السفير التركي إلى أن بلاده تعمل على تسهيل إجراءات الحصول على التأشيرات، إلى جانب تيسير حركة السوريين الراغبين في التنقل داخل تركيا أو العودة إليها.
وفي ما يخص الأكراد في سوريا، أكد أردوغان أن لهم نصيبا من السلام والاستقرار، مشيرا إلى أن أنقرة ستواصل تعزيز علاقاتها مع الأكراد والحفاظ على حقوقهم في مختلف دول المنطقة.
وبشأن لبنان، قال الرئيس التركي إن الهجمات الإسرائيلية على البلاد «تحزننا بشدة»، مؤكدا أن أنقرة ستواصل تقديم الدعم الممكن للبنان.
وأضاف: «يجب أن ننجح في ذلك وننقذ لبنان من دائرة النار هذه»، موضحا أن تركيا بحثت الملف مع الولايات المتحدة، كما ناقش أردوغان القضية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته إلى تركيا في يوليو الماضي.
وشدد على أهمية الدور الأمريكي في إنهاء الحرب على لبنان، قائلا إن أنقرة ستواصل مناقشة الملف مع واشنطن خلال المرحلة المقبلة.
وفي شأن قطاع غزة، قال أردوغان: «لا يمكننا ترك غزة وحدها. لقد فعلنا ما كان متوقعا منا فيما يتعلق بغزة حتى الآن، وسنواصل القيام بذلك».
وأضاف أن حركة المقاومة الإسلامية «حماس» أظهرت، بحسب وصفه، «كل ما تستطيع من تضامن صادق»، بينما تواصل إسرائيل هجماتها على غزة ولبنان.
وفي ما يتعلق بالتهديدات التي تواجه تركيا، قال أردوغان: «نحن لا نناقش معكم الحرب، بل نناقش السلام، وكيف يمكننا ضمان السلام العالمي».
واستدرك: «لكن إذا كان هناك من سيهاجم تركيا من أجل الحرب وليس السلام، فلن تتوانى تركيا عن خوض هذه الحرب ولن تهرب منها، أقول هذا بوضوح تام لا لبس فيه».
وفي الملف السوداني، قال أردوغان: «لا أرى التطورات في السودان إيجابية، لكننا نواصل تقديم كافة أنواع الدعم لهذا البلد»، واصفا علاقات تركيا مع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بأنها جيدة.
وأضاف أن أنقرة تواصل دعم السودان، معتبرا أن البرهان «جدير بقيادة بلاده في هذه المرحلة».
أما في الشأن الليبي، فقال الرئيس التركي: «علاقاتنا مع ليبيا مستمرة بثبات. ولن نترك ليبيا وحدها في الخطوات التي تتخذها».
وأضاف أن تركيا تعمل على تقييم واستثمار احتياطيات النفط الليبية بشكل مشترك، مشيرا إلى أن شركة النفط التركية اتخذت خطوات في هذا الاتجاه.
وفي ملف العلاقات مع الولايات المتحدة، قال أردوغان إنه ينتظر وفاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوعده بشأن مقاتلات إف-35.
وقال: «ننتظر بالطبع أن يفي السيد ترامب بوعده بشأن مقاتلات إف-35. لقد وعدنا بشأن هذه المقاتلات والوفاء بهذا الوعد مهم بالنسبة لتركيا، ونحن ننتظر تنفيذ هذا الوعد».
وأوضح أن العلاقات التركية الأمريكية تشمل ملفات عدة، من بينها الصناعات الدفاعية والتجارة، مؤكدا أن إسرائيل ليست طرفا في المحادثات بين أنقرة وواشنطن.
وقال: «نحن لم نضع إسرائيل على الطاولة بأي شكل من الأشكال. محاورنا هنا هو الولايات المتحدة. ونتخذ خطواتنا من خلال بحث هذه القضايا مع الولايات المتحدة».
وعن العلاقات مع روسيا، قال أردوغان: «علاقاتنا مع روسيا جيدة جدا»، موضحا أن التواصل بين مسؤولي البلدين مستمر عبر الاتصالات الهاتفية والمباحثات المنتظمة.
وفي ما يخص الاتحاد الأوروبي، قال الرئيس التركي إن عضوية بلاده في التكتل «لم تعد أولوية»، رغم استمرار رغبة أنقرة في الانضمام.
وأضاف: «أوروبا لم تضم تركيا إليها منذ 53 عاما، ولا تفكر في ضمها خلال المرحلة المقبلة، لكننا لم نغلق بابنا. وما زلنا نرغب في الانضمام إلى هذا التكتل».
وتابع: «لكن الاتحاد الأوروبي لم يعد أولويتنا، إلا أننا نقول للاتحاد الأوروبي باستمرار: أنتم من سيخسر، وليس تركيا».
وتعكس تصريحات أردوغان اتساع نطاق الملفات التي تتحرك فيها أنقرة إقليميا، من ترتيبات الدفاع المشترك مع السعودية وباكستان، إلى ملفات إيران وسوريا ولبنان وغزة والسودان وليبيا، بالتوازي مع سعي تركيا إلى تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا والإبقاء على مسار مفتوح مع الاتحاد الأوروبي.
“قسد”: تفاهمات مع دمشق لمعالجة ملفات التوتر في الحسكة وحلب
أعلن قائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي التوصل إلى تفاهمات مع مبعوث الرئاسة زياد العايش وقائد الفيلق الثاني عواد الجاسم، خلال اجتماع تناول الملفات المرتبطة بالتوترات الأخيرة في محافظة الحسكة.
وقال عبدي عبر منصة “إكس” إن الاجتماع تناول القضايا المتعلقة بأمن واستقرار محافظة الحسكة، مضيفًا: “لمسنا أجواء إيجابية وخطوات جادة نحو معالجة هذه الملفات”.
وجاء الاجتماع على خلفية توترات شهدتها مدينة الحسكة ومدينة عين العرب “كوباني” بريف حلب الشرقي في 10 أغسطس، عقب عودة مئات العائلات إلى مدينة رأس العين.
ونقلت قناة “الإخبارية السورية” عن مصادر رسمية أن اللقاء تناول آليات تفعيل بقية المؤسسات الحكومية ومعالجة الملف الأمني في إطار بسط سلطة الدولة وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، إلى جانب بحث الملفات المرتبطة بدمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وتتركز أبرز الملفات التي شهدت نقاشًا على الاعتداءات التي طالت مؤسسات الدولة، وأوضاع المدنيين المهجرين، وتسريع واستكمال عمليات الاندماج في الدولة السورية.
توترات عقب عودة عائلات إلى رأس العين
اندلعت التوترات عقب اعتداءات طالت عددًا من العائلات التي عادت إلى مدينة رأس العين، قبل أن تمتد الاحتجاجات إلى الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية وتل تمر ومعبدة.
وتخللت الاحتجاجات عمليات قطع لطرق رئيسة واقتحامات لمقار الأمن الداخلي واعتداءات على ممتلكات عامة وخاصة.
وخفت حدة الاحتجاجات في 11 أغسطس، بعد إعلان السلطات المحلية اتخاذ إجراءات قانونية بحق عدد من المتورطين، فيما أعلنت قيادة الأمن الداخلي في حلب عودة الهدوء إلى عين العرب بعد انتشار قواتها داخل المدينة.
وكانت العائلات العائدة إلى رأس العين قد نزحت من منازلها عقب سيطرة فصائل “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا على المدينة ومناطق واسعة من ريفها في أكتوبر 2019.
وعلى مدى سنوات، أقامت العائلات النازحة من رأس العين في مخيمي توينة والطلائع على أطراف مدينة الحسكة، قبل بدء إعادتها إلى مناطقها عقب التفاهمات التي أُبرمت بين “قسد” والحكومة السورية.
لكن عملية العودة شهدت اضطرابات، إذ تعرضت العائلات التي عادت ضمن الدفعة الأولى إلى رأس العين لاعتداءات وصفت بأنها جسيمة.
وعزت قيادة الأمن الداخلي في الحسكة التوترات إلى عودة عائلات إلى منازلها “دون تنسيق مسبق”، ما أدى إلى خلاف مع القاطنين الحاليين فيها، واستدعى تدخل الوحدات الأمنية لفض الاشتباكات.
كما نفت قيادة الأمن الداخلي صحة الأنباء المتداولة بشأن تدخل عائلات مهجرة من غويران أو الحسكة لمنع العائلات العائدة من دخول منازلها.
تعليق رحلات العودة إلى رأس العين
وأشار مدير قوى الأمن الداخلي في الحسكة محمود خليل علي إلى أن القوى الأمنية أوقفت عددًا من المتورطين في الاعتداءات والأعمال التخريبية التي استهدفت الأهالي العائدين.
وأوضح أن رحلات العودة إلى رأس العين عُلقت مؤقتًا كإجراء احترازي لضمان سلامة العائلات، على أن تُستأنف بعد استقرار الأوضاع وتوفير الحماية اللازمة للعائدين.
امتداد الاحتجاجات إلى مدن وبلدات أخرى
بعد أحداث رأس العين، امتدت الاحتجاجات إلى عدد من مدن وبلدات محافظة الحسكة، حيث شهدت الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية وتل تمر ومعبدة احتجاجات وقطعًا لطرق رئيسة، بينما نظم محتجون وقفة أمام مبنى محافظة الحسكة.
وفي الحسكة والقامشلي، اقتحمت مجموعات مقار للأمن الداخلي وأنزلت العلم السوري من فوق بعض المباني ورفعت أعلامًا كردية.
وانتقلت الاحتجاجات كذلك إلى مدينة عين العرب “كوباني” بريف حلب الشرقي، حيث اقتحم محتجون إدارة المنطقة ومقر الأمن الداخلي، وأنزلوا الأعلام السورية من فوق المباني التي جرى اقتحامها.
وأعلنت قيادة الأمن الداخلي في حلب عودة الهدوء إلى عين العرب في 11 أغسطس، عقب انتهاء العمليات الأمنية ودخول قواتها إلى المدينة لمنع الفوضى والحفاظ على الأمن والاستقرار، إلى جانب حماية الأهالي وتأمين المؤسسات والمرافق العامة.
وأعلنت قيادة الأمن الداخلي إصابة 19 عنصرًا من قوى الأمن أثناء أداء مهامهم، إضافة إلى إلقاء القبض على سبعة أشخاص من المتسببين بالأحداث، تمهيدًا لاستكمال الإجراءات القانونية بحقهم.





