بلاستيكو

أموالنا التي تنهب وتوزع بدون وجه حق من المسؤول؟

أموالنا التي تنهب وتوزع بدون وجه حق من المسؤول؟

لقد أخذت الأخبار التي ترد عبر مختلف القنوات: شهود العيان، وسائل الإعلام، الأقاويل والشائعات، عن الأموال التي تصرف على بنود وفي وجوه لا يعرف أحد شيئاً عن مصداقيتها، تأخذ مع الأيام أبعاداً لم يعد ممكناً قبولها أو التغاضي عنها، وأخذت تفوح منها روائح فساد إداري وخلقي يصدق عليها تماماً الوصف بأنها “تزكم الأنوف”.

ولقد علقت منذ مدة في مقالة نشرتها عما سميته “فضيحة” أو بالأحرى “فضائح” ملف علاج الجرحى، فقد سمعنا وعلمنا أشياء مروعة عما حدث، وللأسف لا يزال يحدث، تحت هذا الستار. لقد سمعنا عن أشخاص سافروا إلى بلدان عربية وأجنبية، بحجة أنهم جرحى الثورة، وهم في الحقيقة لا يمتون إلى الثورة ولا إلى الثوار بأي صلة؛ وسمعنا عن أشخاص سافروا تحت هذا الستار لعلاج أمراض تافهة أو على أية حال لا علاقة لها بالحرب وجروحها وإصاباتها، كمن سافر لعلاج العقم، أو سافر لإزالة وشم أو لعلاج أسنان وما إلى ذلك. ثم سمعنا ما هو أدهى وأمر، فهؤلاء الذين يسافرون تحت هذا البند لا يسافرون وحدهم، بل يصطحبون معهم عائلاتهم بأكملها. ثم ظللنا نسمع كيف أن هؤلاء المرافقين يقيمون في أفخم الفنادق، ويحصلون على مبالغ مالية كل أسبوع تفوق ما يحصل عليه مواطن من صندوق الضمان أو التقاعد في شهر كامل. ثم أخذنا نسمع كيف أن هؤلاء الجرحى ومرافقيهم يستمرؤون البقاء في الخارج، ويرفضون العودة إلى الوطن، كي يحصلوا على المزيد من تلك المزايا والأموال، وكيف أن تلك الأموال قد أغرت البعض منهم للانزلاق في ارتكاب الجرائم، التي جعلت منا مضغة في أفواه أهالي وسلطات تلك الدول.

هذا فيما يتعلق بملف الجرحى.. أما ملف الثوار وأدعياء الثورة فحدث ولا حرج.. فبعد أن فُتِح باب منح “الثوار” مكافآت مالية عن تضحياتهم في سبيل الوطن والحرية، أخذنا نشاهد ونسمع كيف تتزايد أعداد مدعي الثورة أضعافاً مضاعفة، حتى تبلغ عشرات الآلاف، ولعلها بلغت الآن مئات الآلاف. وكثيرون منا يعرفون بعض هؤلاء الأدعياء معرفة شخصية مباشرة، ويعرفون أنه لا صلة لهم مطلقاً بمعاني الثورة والتضحية، وأنهم عبارة عن مجرمين وفاسدي ذمة وقاطعي طرق.. ولقد تساءل كثيرون في سخرية مريرة عن هذه الآلاف من “الثوار” أين كانوا عند احتدام المعارك في جبهات القتال؟ وقالوا: لو أنه كان منهم حقاً في جبهات القتال حتى ربع هذا العدد، الذي يتكالب الآن على الحصول على الغنائم والمكافآت، لما احتاج منا القضاء على الطاغية وكتائبه كل ذلك الوقت، وكل تلك التضحيات الغالية.

خلاصة القول إن أطرف ما سمعته منذ عدة أيام على هذا الصعيد هو إقدام فتية من أحد الأحياء في وسط المدينة، هو بالتحديد ميدان سوق الحوت، على إغلاق طريق أو شارع، بحجة أنهم هم أيضاً كانوا يقومون بجهود كبيرة في حراسة أحيائهم وبيوتهم، وأنهم لذلك يستحقون مكافآت وعطايا.

ومع ذلك فأنا لا أستغرب أن يوجد مدعون وفاسدو ذمة، ومنعدمو الوازع الأخلاقي والديني، فيطالبون بما ليس لهم فيه حق.. ولكني أعجب كل العجب، وأتساءل بدوري بمرارة وآسف: من المخول في دولتنا الجديدة وأجهزتها بمنح المكافآت وتخصيص الميزانيات لعلاج الجرحى ومرافقيهم في الخارج، وصرف الأموال السائلة لهم، ومن ذلك الذي وافق على صرف مبلغ (3000) ثلاثة آلاف دينار لكل فتى سهر ليلة أو بضع ليال يحرس بيته وعرضه. وبالطبع عندما سمع فتيان أحياء أخرى في المدينة بما حدث، قرروا أن يفعلوا الشيء نفسه، فنزلوا إلى الشارع وأغلقوه، وقد سمعت أثناء كتابتي هذه السطور عن فتيان في سيدي حسين وشارع جمال عبد الناصر، يقطعون الطريق، كي يسمع بهم الحارس على خزينة الدولة، فيصرف لهم بدورهم آلافاً من الدنانير: هل هو رئيس الحكومة، أم هو أحد الوزراء؟ أم أنه المجلس الوطني؟

فمن يحق له في هذه المرحلة الانتقالية، التي تقود البلاد فيها سلطات مؤقتة، محدودة الصلاحيات، أن يأمر بصرف الأموال على هذا النحو، ومن يخوله الإعلان الدستوري أو القوانين النافذة صلاحية التوقيع على الصكوك التي تصدر بالخصوص؟

في انتظار أن يقدم لنا أحد من المسؤولين تفسيراً لما حدث ولا يزال يحدث على هذا الصعيد، فإني أقول إننا في دولة الشفافية وسيادة القانون، دولة الحق والعدل، لن نسمح بأن تمر هذه الممارسات مرور الكرام، وسوف نطالب عبر القنوات الشرعية والدستورية بإجراء تحقيقات شاملة ودقيقة في كل ما حدث على صعيد صرف أموال الدولة، كي نعرف ما صرف منها في وجوه قانونية مستحقة، وما صرف منها بدون وجه حق، لمن لا يستحقون، وقبل كل ذلك ما نهب منها وسرق، وذهب إلى جيوب اللصوص وفاسدي الذمة، سواء أكانوا من مخلفات الزمن الماضي البغيض، أو من إفرازات الوضع الفوضوي الذي نشأ بعد انحسار سلطة الدولة، والذي لا زلنا نعاني منه ومن ثماره.

————————————————

للتواصل مع الكاتب:

البريد الإلكتروني: yfannush@yahoo.com

هاتف: 0925121949


الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

اترك تعليقاً