إن هداية البشر مُقَدَّرة بمشيئة الله عز وجل

د. علي الصلابي

فقيه، وكاتب، ومؤرخ، ومحلل سياسي ليبي.

إنَّ هداية البشر مقدرة، وهي بمشيئة الله عز وجل، فمن شاء الله أن يهديه هداه، ومن شاء أن يضله أضله، والهداية تدخل النور إلى قلب العبد، إذا أخذ بالأسباب، فهو مُطالَب بالصبر والثبات والبدء بطريق الاستقامة، فقد وهبه الله عز وجل عقلاً منيراً، وإرادة حرة، يختار بها الخير من الشر، فإذا بذل الأسباب الحقيقية، وحرص على أن يرزقه الله الهداية التامة جاءه التوفيق من الله تعالى.

ومن أهم أسباب الهداية حسب سنته سبحانه وتعالى: الاتباع، وهو السير وفق الشرع ومقتضاه، واطراح كل شيء يخالف هدى الله سبحانه وتعالى، وطاعة الله في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو المبلغ عن الله سبحانه وتعالى، وبهذا فإن الاتباع يشمل الالتزام بما ورد في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من عقائد وأحكام وأوامر ونواه وآداب وأخلاق، وكل ما يرشد إليه كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالاتباع ليس مجرد شعار يرفع، وإنما هو تحقيق معناه في قلب المسلم وجوارحه وأفكاره.

ونجد القرآن، والسنة المطهرة، يركزان على الاتباع ويعتبرانه مناط بالهداية، والطريق الموصلة إلى السعادة والنجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.

ومن أعظم الدلائل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد بين أهمية الاتباع، وأثره في الوصول إلى الهدى وتجنب الضلال عندما خلق آدم وأنزله إلى الأرض، قبل أن يرسل أنبياءه ورسله،، فكان ذلك دليلاً حاسماً على ما للأتباع من أهمية ومكانة في الوصول إلى الهداية والنجاة. قال تعالى: ” قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة: 38) . قال تعالى:” قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُ مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى” (طه: 123) .

وقد ربط الله عز وجل بين طاعته واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم وبين الهداية فجعل الطاعة والاتباع سبباً للهداية والرشاد. قال تعالى:” قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ” (النور: 54). فأخبر جل ثناءه أن الهداية إلى المنهج القويم المؤدي إلى الفوز والفلاح في طاعة الرسول لا في غيرها، فإنه متعلق بالشرط فينتفي بانتفائه، وليس عليه إلا البلاغ والبيان.

وقال تعالى:” قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (المائدة: 15 ـ 16). بيَّن سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أن من أتبع كتاب الله وهو ما رضيه لعباده، فإن الله عز وجل يكافئه على ذلك بثلاثة أمور:

  1. أولها: أنه يهدي من اتبعه سبل السلام التي يسلم بها في الدنيا والآخرة من كل ما يرديه ويشقيه، فاتباع هذا القرآن يسكب السلام في الحياة كلها، سلام الفرد سلام الجماعة، سلام العالم، سلام الضمير، سلام العقل، سلام الجوارح، سلام البيت، سلام الأسرة، سلام المجتمع، سلام البشر والإنسانية السلام مع الحياة ومع الكون، والسلام مع الله رب الكون والحياة والسلام الذي تجده البشرية ولم تجده إلا في هذا الدين وإلا في منهجه ونظامه وشريعته ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته حقاً إن الله يهدي بهذا الدين الذي رضيه طرق السلام كلها.
  2. الثاني: أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، أي يخرجهم من الكفر إلى نور الإيمان بتوفيقه وهدايته لهم، لأن الجاهلية كلها ظلمات، ظلمة شبهات وخرافات، وحيرة وقلق وانقطاع عن الهدى، ووحشة واضطراب قيم.
  3. الثالث: الهداية إلى الصراط المستقيم وهو الطريق الموصل إلى المقصد والغاية من الدين في أقرب وقت، لأنه طريق لا عوج فيه ولا انحراف، فيبطئ سالكه أو يضل في سيره، وقد جعل الله عز وجل اتباع رسوله فيما جاء به سواء كان مبيناً لمجمل القرآن، أو مقيداً لمطلقه، أو مخصصاً لعامه أو منشئاً لأحكام جديدة لم ترد في القرآن جعل ذلك سبباً من أسباب الهداية. قال تعالى: “قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” (الأعراف : 158).
أخبار ذات صلة
الإصلاح الديني في مواقف ابن باديس من التصوف وأصحاب الطرق

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التمسك بسنته عصمة من الزيغ والضلال والفتن، فقال: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة”.

وقال تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مبيناً أنه عليه الصلاة والسلام لا يتبع أهواء الكافرين، لأن في ذلك انحراف عن الصراط المستقيم وسبيل إلى الضلال: قال تعالى:” قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ” (الأنعام: 56)، أي: لا اتبعكم على ما تدعونني إليه لا في العبادة ولا في غيرها من الاعمال لأنها مؤسسة على الهوى ، وليست على شيء من الحق والهدى ، فإذا فعلت ذلك فقد تركت محجة الحق وسرت على غير هدى فصرت ضالاً مثلكم وخرجت من عداد المهتدين.

ـ وقال تعالى:” وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا” (النساء: 115) ، أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له ويتبع غير سبيل المؤمنين، هذا ملازم للصفة الأولى:” نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا” (النساء: 115)  أي: إذا سلك هذا الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسها في صدره ونزينها له استدراجاً له وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة.

ومن هذه النصوص وغيرها يتبين لنا أن الاتباع والطاعة لله ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم مجبلة للهداية والرشاد، وعدم الاتباع موقع في الزيغ والضلال والهلاك.

 

 

مراجع البحث:

  1. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، ط2 1999، 1/ 554 ـ 55.
  2. الترمذي، سنن الترمذي، عناية أحمد محمد شاكر، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، ط2، 1398ه 1978، 5/ 44.
  3. د. شريف الشيخ صالح أحمد الخطيب، السنن الإلهية في الحياة الإنسانية وأثر الإيمان بها في العقيدة والسلوك، الدار العثمانية، عمان. الأردن، ط1 2004، 1 / 248 – 250 – 253.
  4. سيد قطب، في ظلال القرآن، القاهرة: دار الشروق، ط 38، 1430ه، 2009م (2 / 863)، (4/ 2528).
  5. علي محمد الصّلابيّ، الإيمان بالقدر، دار ابن كثير، بيروت، ص. ص 117-120.
  6. محمد رشيد رضا، تفسير المنار (تفسير القرآن الكريم)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990م، 6/ 350.

 

الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
ليبي شبه مثقف

أتمنى أن يبين لنا السيد الصلابي ، هل أن العمل بمقتضى الأمر الإلهي الكريم في مفتتح الوحي القرآني الكريم ( الآيات الخمس الأولى من سورة العلق ) والتي هي دعوة صريحة إلى إعمال العقل ( أي الابداع ) تحديداً يعد إتباعاً ( محموداً ) أم ( ابتداعاً ( مذموماً ) ؟ وليعلم أن ما يمتليء به مقاله من أغلاط منطقية هو ما دعاني إلى طرح هذا السؤال الذي قد لا يروق له ولغيره ممن يرون رؤيته .

عرباوى

في علم الأديان هناك وجهة نظر تقول ان الله لم يخلق الانسان بل الانسان هو من خلق الله….وذلك حتى يستطيع من خلاله تفسير وتأويلا الأشياء التي لا يستوعبها عقله…فمثلا العقل العربي الجاهلي في ذلك الوقت لم يكن يدرك الظاهرة الفلكية وراء سقوط الشهاب والنيازك على وجه الأرض…فقام بتفسيرها وتأويلها…عن طريق خلق خرافه خياليه شيطانية لا تمت لهذه الظاهرة الطبيعية من شئي…ومن تم وضع هذا التفسير في كتاب… وقال هذا الكتاب هو كلام الله…” ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلنها رجوما للشياطين”…وقال ” ولقد خلقنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين…وحفظناها من كل شيطان رجيم…الا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين” …وهذا… قراءة المزيد ..

ليبي شبه مثقف

يذكرني قول السيد عرباوي ( أفيقوا أفيقوا ) بدعوة عمر الخيام ( أفق خفيف الظل هذا السَحَر نادىَ من الغيب غفاة البشر هبوا املأوا كأس المنى قبل أن تملأ كأس العمر كف القدر ) وتلك دعوة شعرية ، لا علاقة لها ( رغم أن الخيام كان فيلسوفاً وعالم رياضيات ) بالعلم ولا بالمحاكمة العقلانية ، وأقصى ما يمكن قوله حولها ، أنها ( في حالة أصالتها ، وأنها ليست عيرة وتعالماً ) نتيجة سوء استخدام لما يدعوه فلاسفة الاسلام ( آلة المنطق ) لا لشيء إلا لأن المنطق نفسه يعلمنا أنه لا ينفصل هو ذاته عن القطرة الإنسانية ( بل… قراءة المزيد ..