عاجل

اعقلها وتوكل.. الموازنة بين العقل والدين

عندما ظهر الحديث عن جائحة الفيروس التاجي (Corona Virus) في الصين، ذهبت أنظار المسلمين للأسف على أن هذه الجانحة هي عقاب إلهي للصين على ما تفعله بسكان الإيغور المساكين، وامتلأت الصفحات التي تشمت بهذا الشعب الذي لا ذنب له في ما تفعله حكومته بشعب بريء، فالذنب يقع على النظام الحاكم في الصين في تعامله مع شعب بريء وليس على عموم الناس.

المهم، انتشرت هذه الجائحة لتشمل كل العالم تقريبا، وتنادت الحكومات إلى فرض العزلة والحجر الصحي، وتجاوز الأمر أن تم إقفال المرافق العامة كالمقاهي والملاهي ودور العرض والمدارس، وفرغت العديد من المستشفيات من المرضى وجهزت لاستقبال حالات الإصابة بهذا الفيروس الخطير، وإدراك العالم أن خير وقاية من هذا المرض هي العزل والحجر الصحي، بل وصل الأمر أن فرضت بعض الدول الطوارئ ومنع التجول في ساعات طويلة، ومعاقبة المخالفين لقانون الزم بيتك.

وقد دهشت لوجود قانون ليبي بخصوص الحجر الصحي يقول: “وفقا للمادة (136) من القانون الصحي الليبي فإنه: يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تتجاوز مائتي دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من خالف تدابير الحجر الصحي التي تتخذ وفقاً لأحكام هذا القانون أو اللوائح الصادرة بمقتضاه”.

طبعا في وضع كهذا سيعاد تدوير أسطوانة “عصيدة الميلود”، وسيدخل الجدل حدوده القصوى بين من يرى التدين هو ممارسة لطقوس يرجى بها التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وبين من يرى للدين مقاصد عليا وسامية هذه الطقوس جزء منه وليس كله.

وهذا بالفعل ما حدث، ففي برنامج للـ”بي بي سي” سجل حالات استهتار الشيعة بهذه الجائحة واعتقادهم أن المراقد “المقدسة” محمية من هذا الوباء ببركة قاطنيها، فسجل أشخاص يتمسحون بقضبان هذه الأضرحة ويلعقونها بألسنتهم.

وفي إحدى مقاطع الفيديو قال شيخ شيعي في درس من دروسه إن اللطم على الصدر يقتل أكثر من 80 كرية بيضاء، وبالتالي فاللطم يساعد في القضاء على فيروس الكورونا في زعمه، ولا أدري ما علاقة قتل الكريات البيضاء وقتل الفيروس في تصوره.

وقد أفتى الشيخ الصادق الغرياني بعدم جواز منع الناس من إقامة شعائر الإسلام وفرائضه بغلق المساجد، استنادا إلى قوله تعالى في الأية 114 من سورة البقرة :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ، رغم انه وجد عذرا لمن “حصل له خوفٌ على نفسهِ من انتقال المرضِ” مستدلاً بالأية الكريمة رقم 78 من سورة الحج حيث قال تعال: ﴿ومَا جعلَ عليكُم في الدِّينِ مِن حرجٍ﴾.

الأمر لا يقتصر على المسلمين، فالكثير من القيمين على الكنائس استهجنوا قفلها، وقد اعتبر كبير أساقفة سيينا بإقليم توسكانا الإيطالي والأمين العام للجنة الأسقفية للهجرة القس باولو لويوديتشي قرار أبرشية روما بإغلاق جميع كنائس العاصمة، حماية للصحة العامة، “إفراط في الحذر”، فهل يغيب العقل عندما يتعلق الـمر بالدين، ـم هو تغييب له من قِبل المتدينين؟.

أعجبني مقال ظهر على صفحة مجلة أخبار الأسبوع (Newsweek) الأمريكية، في النسخة الإلكترونية، بعددها الصادر يوم الجمعة 20 مارس، لكاتبه الدكتور كريج كونسيدين ([1]) بعنوان “هل قوة الدعاء ([2]) كفيلة بتوقيف الجائحة ….CAN THE POWER OF PRAYER ALONE STOP A PANDEMIC” وهنا ترجمة مقاله كامل للفائدة.

أجبر جائحة الفيروس التاجي المعروف علميا باسم (COVID-19) أغلب حكومات العالم ومصادر الأخبار على تقديم أكثر النصائح دقة ومساعدة لسكان العالم، حيث أن تفشي المرض لا يستثنى أحد، لذلك فقد تزايد الطلب على المتخصصين في الرعاية الصحية، وعلى العلماء الذين يعملون على درسة انتقال الأوبئة وتأثيرها.

يقول خبراء كبار مثل عالم المناعة الدكتور أنتوني فوسي([3]) والمراسل الطبي الدكتور سانجاي قوبتا ([4]) إن النظافة الصحية الجيدة والحجر الصحي، أو ممارسة العزل عن الآخرين على أمل منع انتشار الأمراض المعدية، هي أكثر الأدوات فعالية لاحتواء هذه الجائحة، لكن هل نعرف من الذي اقترح النظافة والحجر الصحي الجيد أثناء الوباء؟ الجواب محمد، نبي الإسلام، قبل 1300 عام، لم يكن محمد بأي حال من الأحوال خبيرًا “تقليديًا” في المسائل المتعلقة بالأمراض الفتاكة، إلا أن محمد كان لديه نصيحة جيدة لمنع ومكافحة تطور مثل هذا الفيروس.

فقد قال محمد: “إذا سمعت عن تفشي الطاعون في أرض ما فلا تدخلها؛ وإذا تفشى في مكان أثناء وجودك فيه فلا تغادر ذلك المكان”.

وقال أيضا: “يجب عزل المصابين بالأمراض المعدية عن الأصحاء”.

وقد شجع محمد الناس على الالتزام بالنظافة، والتي من شأنها أن تبقي الناس في مأمن من العدوى. تأمل في الأحاديث أو أقوال النبي محمد التالية:

“النظافة من الإيمان.”

“اغسل يديك بعد الاستيقاظ ؛ فلا تدري أين كانت يديك أثناء نومك.”

“إن بركات الطعام تكمن في غسل اليدين قبل وبعد الأكل”.

وماذا لو مرض شخص ما؟ ما نوع النصيحة التي قدمها محمد إلى إخوانه من البشر الذين يعانون من الألم؟ محمد شجع الناس على السعي دائمًا  في الحصول على العلاج الطبي والأدوية، وفي حديث  له في الاستفادة من العلاج الطبي قال: “إن الله لم يخلق مرضًا إلا وخلق له علاج يشفيه، باستثناء مرض واحد ألا وهو الشيخوخة فليس لها دواء”، ولعل الأهم من ذلك أنه كان يعرف متى يوازن بين الإيمان والعقل.

في الأسابيع الأخيرة، ذهب البعض إلى حد القول بأن الدعاء ([5]) سيكون أفضل في إبعادك عن الفيروس التاجي بدلاً من الالتزام بالقواعد الأساسية للعزل الجماعي والحجر الصحي.

كيف يرد النبي محمد على فكرة الصلاة والدعاء من وجهة النظر الطبية؟ تأمل القصة التالية، المتعلقة بوضعنا الآن بلا ريب، من قِبل الباحث الفارسي في القرن التاسع الميلادي، الإمام الترمذي فقد ورد عنه نقلا عن النبي: في أحد الأيام، لاحظ النبي محمد رجلاً بدويًا يترك ناقته دون عقال، سأل النبي البدوي: “لماذا لا تربط ناقتك؟” فأجابه البدوي: “أنا أثق بالله وأتوكل عليه”. فقال له النبي: “اعقلها وتوكل”.

وقد شجع محمد الناس على التماس الإرشاد في دينهم، لكنه أعرب عن أمله في أن يتخذوا إجراءات احترازية أساسية لاستقرار الجميع وسلامتهم ورفاههم، وبعبارة أخرى، كان يأمل أن يستخدم الناس الفطرة السليمة، (انتهى المقال).

لقد لمس الكاتب هذه الحقيقة الجوهرية، وهي غياب الفطرة السليمة في الحكم على الأمور، والذي انعكس بالضرورة سلبا على فتاوى الفقهاء وعلماء الدين ورجاله، وبالتالي سيطر الوهم على عقول البشر، وأصبح الدين مجرد طقوس تمارس مسلوبة الروح، ولا يعني هذا التقليل من الطقوس، لكن علينا أن نعلم بأن الطقوس ذاتها ما هي إلا تمارين لتوطين النفس على استنبات مقاصد الدين، ولربما لا نجانب الصواب إذ قلنا بضرورة ترك الطقوس إن تعارض القيام بها مع تحقيق المقاصد، والإسلام مليء بالنصوص التي تذهب هذا المذهب، كرخصة الإفطار للحامل والمسافر، والكفارات وما إلى ذلك من الرخص.

ولعل الأية الكريمة التي وردت في فتوى الشيخ الصادق في قوله تعال من سورة الحج ﴿ومَا جعلَ عليكُم في الدِّينِ مِن حرجٍ﴾ نبراس ومنهج في الموازنة بين العقل والدين.

الهوامش:

[1] ) دكتور كريج كونسيدين، باحث ومتحدث دولي، صاحب اسهامات متعددة في وسائل الإعلام ومثقف امريكي ، كاتوليكي ومن اصل ايرلندي. عضو هيئة التدريس بقسم علم الاجتماع بجامعة رايس.

[2] ) https://www.newsweek.com/prophet-prayer-muhammad-covid-19-coronavirus-1492798

[3] ) دكتور أنتوني ستيفن فوسي أخصائي مناعة أمريكي يعمل كمدير للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية وعضو في فريق عمل البيت الأبيض للفيروس التاجي الذي يعالج جائحة فيروسات التاجي.

[4] ) دكتور سانجاي جوبتا جراح أعصاب ومراسل طبي أمريكي. يعمل كرئيس مشارك في خدمة جراحة المخ والأعصاب في مستشفى جرادي التذكاري في أتلانتا ، جورجيا ، وكأستاذ مساعد في جراحة المخ والأعصاب في كلية الطب بجامعة إيموري وكبير المراسلين الطبيين لشبكة السي ان ان الامريكية.

[5] ) خطابه هنا يقصد به اهل ملته من النصارة فهو يكتب لهم، الا ان الحال ينطبق أيضا على المسلمين.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

اترك تعليقاً


عين ليبيا على بريدك الخاص

احصل على النشرة الأسبوعية مباشرة على بريدك الإلكتروني الخاص

أرسل إلى صديق