أعاد مقال تحليلي للسنوسي بسيكري، مدير المركز الليبي للبحوث والتنمية، نُشر عبر موقع “عربي 21” الممول من قطر، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد الليبي، وهو ملف الهجرة غير النظامية، بعد كشفه عن تشابك واسع بين شبكات التهريب وأطراف نافذة داخل البلاد في مناطق الجنوب والشرق والغرب، وفق ما أورده في تحليله.
وقال مدير المركز الليبي للبحوث والتنمية السنوسي بسيكري إن شبكات تهريب المهاجرين في ليبيا لا تعمل بشكل عشوائي أو منفصل عن البيئة السياسية والأمنية، بل تستفيد من دعم ونفوذ يمتد إلى عدة مناطق داخل البلاد، ما يتيح لها إدارة عملياتها عبر المنافذ الحدودية الليبية، مقابل تدفقات مالية ضخمة تحولت إلى مصدر تمويل رئيسي لهذه الشبكات، بحسب وصفه.
وأوضح أن ليبيا تمثل منذ عقود طويلة نقطة عبور استراتيجية للمهاجرين القادمين من دول وسط وجنوب القارة الأفريقية، والذين يتجهون نحو أوروبا والولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن وتيرة التدفق الحالية تعد الأعلى مقارنة بالفترات السابقة، في ظل الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار والتدهور الأمني الذي تعيشه البلاد.
وبيّن مدير المركز الليبي للبحوث والتنمية السنوسي بسيكري أن الجرائم المرتبطة بالهجرة غير النظامية ليست ظاهرة مستحدثة، لكنها كانت في مراحل سابقة أقل وضوحًا وأضيق نطاقًا، قبل أن تتحول في السنوات الأخيرة إلى نشاط أكثر تعقيدًا وانتشارًا، نتيجة الانكشاف الأمني وتداخل شبكات المصالح وتعدد الفاعلين على الأرض.
وأضاف أن ملف المهاجرين الأفارقة لم يكن مجرد ملف إنساني أو أمني فقط، بل حمل على مدى سنوات طويلة أبعادًا سياسية واقتصادية واضحة، حيث جرى توظيفه كورقة ضغط في علاقات النظام الليبي السابق مع الاتحاد الأوروبي وبعض العواصم الغربية قبل عام 2011، كما دخل في صلب مفاوضات وتسويات سياسية خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، ما يعكس عمق هذا الملف وتشابكه مع السياسة الدولية.
وأشار إلى أن ما يحدث اليوم يمثل امتدادًا أكثر تعقيدًا لذلك الإرث، لكن في سياق مختلف تمامًا، حيث لم يعد الملف محصورًا في الدولة المركزية، بل أصبح موزعًا بين شبكات متعددة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع النفوذ الأمني المحلي، ما ساهم في تحويله إلى اقتصاد ظل واسع النطاق.
ولفت بسيكري إلى أن استمرار حالة الانقسام السياسي وتعدد مراكز النفوذ داخل ليبيا أسهما بشكل مباشر في ترسيخ هذا الواقع، إذ لم تعد الحدود الليبية مجرد خطوط سيادية، بل تحولت إلى مساحات تشغيل لشبكات منظمة تستفيد من ضعف الرقابة وتداخل السلطات، ما يجعل من ملف الهجرة غير النظامية أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المنطقة.
وأكد أن هذا الوضع يفرض تحديات مزدوجة على ليبيا، تتمثل في البعد الإنساني المرتبط بالمهاجرين أنفسهم، والبعد الأمني والاقتصادي المرتبط بشبكات التهريب التي باتت تتحرك ضمن منظومة مصالح واسعة، تمتد آثارها إلى الداخل الليبي وإلى الضفة الشمالية للمتوسط.
هذا ويُعد ملف الهجرة غير النظامية من أكثر القضايا تعقيدًا في ليبيا منذ أكثر من عقد، حيث تحولت البلاد بفعل موقعها الجغرافي واتساع حدودها البرية إلى نقطة عبور رئيسية نحو أوروبا.
ومع تراجع مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة، توسعت شبكات التهريب لتتحول إلى اقتصاد موازٍ مرتبط بتمويلات ضخمة، وسط تقديرات دولية تشير إلى أن هذا النشاط أصبح جزءًا من شبكات عابرة للحدود تمتد داخل أفريقيا وأوروبا على حد سواء.





