الأزمة الأوكرانية ولماذا يتعين على أوباما أن يقود (هذه المرة)؟

الأزمة الأوكرانية ولماذا يتعين على أوباما أن يقود (هذه المرة)؟

فريد زكريا

أمريكي الجنسية من أصل ومولد هندي، مسلم، ويُعد حالياً من أشهر الصحافيين والإعلاميين المهتمين بالشأن العراقي والعلاقات الدولية والسياسات الخارجية الأميريكية.

خدمة “ذي واشنطن بوست”

نشأت الأزمة في أوكرانيا جراء خطأيْن لم ترتكب واشنطن أيًّا منهما: أولًا، تردد الاتحاد الأوروبي. ثانيًا، وهو الأهم بالطبع، العدوان الروسي الذي خلق المشكلة. لكن الكرة الآن في ملعب الرئيس الأميركي باراك أوباما، وعليه إظهار المهارة والقوة لحل الأزمة الكورية.

أدى تردد الاتحاد الأوروبي حيال أوكرانيا، على مدار سنوات، إلى حدوث حالة من عدم الاستقرار في البلاد، كما استثار معارضة من جانب روسيا. إن أعظم مصدر للقوة يمكن أن يهبه الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا يتمثل في منحها عضوية الاتحاد التي نعمت بموجبها مجتمعات عدة في الجنوب والشرق من أوروبا بالاستقرار والتحديث الاقتصادي والديمقراطية. لهذا السبب، كان ينبغي التعامل مع هذا الأمر بجدية وبراعة، لكن في حالة أوكرانيا كان الوضع مختلفًا.

تعد أوكرانيا، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أهم دولة تسعى روسيا للهيمنة عليها سياسيًا. ولو كانت أوروبا تريد مساعدة أوكرانيا في الاقتراب من الغرب، لكانت قد انتهجت خطة جريئة وقوية واتخذت استراتيجية جذب سريع، بيد أن الاتحاد الأوروبي اتخذ بدلًا من ذلك طريق المفاوضات المملة والملتوية مع أوكرانيا والتي تمخضت في النهاية عن اتفاقية انتساب مليئة بالبنود التي يتعين على الدولة الوفاء بها على الصعيديْن الاقتصادي والسياسي قبل الحصول على عضوية الاتحاد.

دعونا لا نصر على الاعتقاد بأن تحركات موسكو كانت صائبة استراتيجيًا، فلابد أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين عايش إحباطًا شديدًا في فبراير إبّان إقالة حكومة موالية لروسيا وانفلات أوكرانيا من قبضته على نحو دفعه فور انتهاء أولمبياد سوتشى إلى تحريك قواته صوب شبه جزيرة القرم، لقد ارتكب بوتين خطأ. فاستيلاؤه على القرم أضاع منه أوكرانيا.

منذ عام 1991، هيمنت موسكو على كييف عبر ساسّة يدينون بالولاء لروسيا، ويتقاضون رشى مقابل الانصات جيداً لإملاءات الكرملين. هذا الباب بات الآن موصدًا. يوضح ستيفن كوتكين من جامعة برينستون أنه في الانتخابات الأخيرة التي جرت عام 2010، حاز فيكتور يانوكوفيتش، الذي يمثل المعسكر الموالي لروسيا نوعًا ما، على أصوات الناخبين في القرم والتي يُقدر عددها بمليون صوت تقريبًا، ولذا فاز في الانتخابات العامة. بعبارة أخرى، عندما تجتزئ القرم بعيدًا عن أوكرانيا –وهو ما فعله بوتين– فمن المستحيل فوز مرشح أوكرانى موال لموسكو بالرئاسة في أوكرانيا، هذا مع الوضع في الاعتبار أن أوكرانيا ليست منقسمة بالتساوى. فبدون القرم لن يتبقى من الأوكرانيين غير نسبة 15% فقط من ذوى الأصول الروسية.

في الواقع، إن الأمل الوحيد الباقى أمام روسيا للحفاظ على الهيمنة في أوكرانيا يتأتى من وقوف بوتين على حقيقة ضرورة أن تظل القرم بأغلبية سكانها الروس جزءًا من أوكرانيا. إن تحريك بوتين لقواته بهذا الشكل غير المحسوب في القرم أثار نزعات قومية مناهضة لروسيا وراء حدودها، فهناك 25 مليون مواطن من أصول روسية يعيشون خارج روسيا، كما أن دولًا على شاكلة كازاخستان ذات الأقليات الروسية لابد أن تتساءل متخوفة عما إذا كان بوتين سيثير خمائر الحركات الانفصالية في بلادها تمهيدًا لاستخدام الجيش الروسي لحماية تلك الأقليات فيما بعد. على أية حال، باتت روسيا مضطرة إلى التودد للدول عبر عروض سخية من الغاز الرخيص للانضمام للاتحاد الأوراسى، وربما تدفع روسيا في هذا الطريق ثمنًا باهظًا.

تأثرت أيضًا العلاقات الروسية مع دول وراء دول الجوار أمثال بولندا والمجر، التى كانت ذات يوم تجمعها بروسيا علاقات حميمة، وباتت تعاني اليوم توترًا بل وعداء، وها هو حلف شمال الأطلسى “ناتو” الذى كان يبحث عن دور فيما بعد الحرب الباردة قد وجد ضالته. ستواجه موسكو بعض العقوبات من واشنطن والاتحاد الأوروبي تباعًا. ووقع خلاف نادر الحدوث في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بين روسيا والصين، حيث رفضت الأخيرة التغاضي عن التحرك الروسى في القرم. لم يعترف بضم موسكو لأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية من جورجيا إلا نيكاراجوا وفنزويلا وجزيرتان جنوب الباسيفيكى. ولن يزيد عدد الدول التي ستعترف بضم موسكو للقرم عن هذا العدد.

لطالما أعربت عن قلقي العام من الدعوات الموجهة لأمريكا بالتدخل في أي صراع حول العالم، لكن هذه المرة الوضع يختلف؛ فالأزمة الأوكرانية تعد أهم مشكلة جيوسياسية ظهرت منذ الحرب الباردة، وبخلاف العديد من الحروب الأهلية والصراعات العرقية على مدى العقود الثلاثة الماضية، تضم هذه الأزمة قوة عالمية عظمى هى روسيا، وهو ما ينذر بعواقب بعيدة المدى، كما أن الأزمة سترسى كذلك مبدءًا عالميًا عظيمًا مفاده: هل من الممكن تغيير الحدود الوطنية بالقوة الوحشية؟ وإذا كان الرد بالإيجاب، فما هو الحال في آسيا، التى تعج بالحدود المتبارية في ظل وجود العديد من القوى العظمى التي تريد إعادة ترسيم تلك الحدود؟

يجب على الرئيس أوباما حشد العالم وحثّ الأوروبيين والتفاوض مع الروس. أمريكا هي الأمة التي لا غنى عنها حقًا في هذه الأزمة.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

فريد زكريا

أمريكي الجنسية من أصل ومولد هندي، مسلم، ويُعد حالياً من أشهر الصحافيين والإعلاميين المهتمين بالشأن العراقي والعلاقات الدولية والسياسات الخارجية الأميريكية.