لم تكن لحظة توقيع الاتفاق الأميركي – الإيراني مجرد تطور سياسي، بل تحولت خلال ساعات إلى حدث مالي عالمي أعاد رسم اتجاهات الأسواق، حيث بدأت منصات التداول في مختلف القارات بإعادة تسعير المخاطر بشكل سريع من النفط إلى الذهب مرورًا بالأسهم والعملات.
في مقدمة المشهد، جاء سوق النفط ليعكس التأثير الأوضح للاتفاق، إذ تراجعت الأسعار مباشرة مع تسعير المستثمرين لاحتمال عودة الإمدادات الإيرانية إلى الأسواق العالمية بعد وقف التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة النفطية.
وهبط خام برنت والخام الأميركي بنحو 1 إلى 2 في المائة في بداية التداولات، قبل أن تتسارع وتيرة التراجع في الجلسات اللاحقة، لتصل الخسائر إلى أكثر من 3 في المائة مع تحسن شهية المخاطرة وتراجع المخاوف الجيوسياسية.
وانخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3.4 في المائة مسجلًا 74.18 دولارًا للبرميل، بينما تراجع خام برنت بنسبة 3.02 في المائة ليصل إلى 77.15 دولارًا للبرميل، في حركة تعكس تحوّلًا سريعًا في توقعات العرض والطلب.
الاتفاق، الذي يتضمن 14 نقطة بحسب ما ورد، ينص على فترة تفاوض تمتد 60 يومًا، تتعهد خلالها طهران بالسماح بمرور “حر” للملاحة عبر مضيق هرمز، مع استعادة تدريجية لقدرة المضيق التشغيلية خلال 30 يومًا، إضافة إلى خطة تمويل بقيمة 300 مليار دولار لدعم مسار التعافي.
هذا التطور انعكس مباشرة على توقعات التضخم عالميًا، حيث أدى تراجع أسعار الطاقة إلى تهدئة المخاوف من موجة تضخمية جديدة، ما أعاد تشكيل توجهات المستثمرين في الأسواق المالية الأخرى.
في آسيا، برزت كوريا الجنوبية كأحد أكبر المستفيدين من التحول الجديد، إذ قفز مؤشر كوسبي بأكثر من 2 في المائة متجاوزًا حاجز 9 آلاف نقطة للمرة الأولى في تاريخه، مدفوعًا بصعود أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وأنهى المؤشر تعاملاته عند 9063.84 نقطة بارتفاع 2.25 في المائة، في أعلى إغلاق تاريخي، بينما سجلت أسهم سامسونغ إلكترونيكس ارتفاعًا بنسبة 4.62 في المائة، وقفزت إس كيه هاينكس بنسبة 6.51 في المائة، في أداء قاده قطاع التكنولوجيا بشكل لافت.
في المقابل، دخل الذهب مرحلة تذبذب واضحة، إذ تراجع في البداية مع انخفاض الطلب على الملاذات الآمنة، قبل أن يعاود الارتفاع مدفوعًا بعمليات جني الأرباح وتغير توقعات السياسة النقدية في الولايات المتحدة.
وارتفع الذهب في السوق الفورية بنسبة 1 في المائة ليصل إلى 4298.48 دولارًا للأونصة، بينما تراجعت العقود الآجلة بنسبة 1.4 في المائة إلى 4318.10 دولارًا، وسط تفاعل مع إشارات متشددة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن أسعار الفائدة.
وفي أسواق الأسهم، ظهر التأثير الإيجابي بشكل أوضح، حيث قادت البورصات الآسيوية موجة صعود مدفوعة بتوقعات انخفاض كلفة الطاقة وتحسن النمو العالمي، ما عزز شهية المخاطرة لدى المستثمرين ورفع أسهم التكنولوجيا والصناعة.
أما في الولايات المتحدة، فقد اتسمت الحركة بالحذر، رغم الدعم الذي وفره الاتفاق، إذ بقيت الأسواق تحت ضغط توقعات السياسة النقدية، مع استمرار الإشارات إلى احتمال رفع الفائدة لمواجهة التضخم.
وارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات وول ستريت، إذ صعد مؤشر إس آند بي 500 بنسبة 0.7 في المائة، وناسداك بنسبة 1.1 في المائة، بينما سجلت السندات تراجعًا في العوائد مع انخفاض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 4.45 في المائة.
في سوق العملات، استفاد الدولار من توقعات السياسة النقدية المشددة، ليستقر قرب أعلى مستوياته في أكثر من شهرين، بينما تعرض الين الياباني لضغوط إضافية مع اتساع الفجوة في السياسات النقدية، وصولًا إلى أدنى مستوياته منذ يوليو 2024.
في المقابل، تحسنت عملات المخاطرة مثل الدولار الأسترالي والنيوزيلندي بدعم من تحسن المزاج العام في الأسواق العالمية.
وبحسب قراءة الأسواق، لم يكن تأثير الاتفاق موحدًا، بل أعاد توزيع المخاطر بشكل شامل، حيث خسر النفط “علاوة الحرب”، وتراجع الطلب على الذهب كملاذ آمن، بينما استفادت الأسهم من تحسن التوقعات الاقتصادية، وظلت العملات رهينة توازن دقيق بين التفاؤل الجيوسياسي وسياسات البنوك المركزية.




