الإبداع في خلق الكون.. رسائل للمشككين والملحدين

د. علي الصلابي

فقيه، وكاتب، ومؤرخ، ومحلل سياسي ليبي.

لم يستطع العلم الحديث بكل القرون التواصل لمعرفة خلق الكون والأصل المادي لتركيبته، ويدهش كبار العلماء في الذرة والفيزياء والرياضيات عندما يتعمقون في السر الكامن وراء تلك التركيبة الخلاقة والمبدعة ويصلون لحقيقة الإيمان بقدرة الواحد القادر سبحانه وتعالى، وبالمقابل تجد من أبناء الأمة الإسلامية نفسها من كفر بنعمة الله وفضله عليه في اختياره من هذه الأمة لأسباب عاطفية أو نفسية أو مادية أو اجتماعية أو ظروف سياسية وأمنية وعلى هؤلاء جميعاً التفكر بنعم كثيرة منَّ الله بها علينا ونتذكر قدرة الله في كل وقت، قال تعالى:”قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً للسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ” (فصلت ، آية 9 : 12).

بدء الكون ومصيره:

شملت آيات الكتاب العزيز إشارات إلى ثلاث حقائق كونية في:

  1. خلق الأرض وتقدير الأقوات فيها في أربعة أيام قبل السماء.
  2. أصل الكون المادي من الدخان.
  3. الدورات التكوينية للأرض والسماء، ومجموعها ستة أيام.

إن العلوم الفضائية والعلوم الطبيعية لا زالت تحبو للتعرف على أصل الكون ونشأته والمادة الأولية التي تتكون منها الأجرام السماوية وطريقة تشكيلها، ولقد درسوا ملياً ما يقع على الكرة الأرضية من خارج مجالها من النيازك والأتربة الكونية وما حصلوا عليه أخيراً من قطع من سطح القمر، كل ذلك يؤكد وحدة أصل الكون المادي، وأصبح ذلك حقيقة علمية عندهم، ولكنهم لم يستطيعوا تحديد الحالة الأولية لهذه المواد التي كانت عليها قبل تجمعها في مجموعات من النجوم والكواكب والمجرات، ولن يستطيعوا ذلك إلا ظناً وتخميناً، قال تعالى: “مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا” (الكهف ، آية: 51).

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأصل الموحد وساق حقائق كونية في غاية الوضوح، قال تعالى: “أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ” (الأنبياء، آية: 30 ـ 32).

ويفصل في آيات غيرها مراحل الخلق والتكوين، فيقول المولى جل جلاله: “ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ” (فصلت، آية: 11).

وهكذا لم يصل العلم الحديث إلى الآن إلى معرفة أصل الوجود المادي للكون على الرغم من توصل العلماء والمهندسون إلى نجاحات كبيرة في المسائل التطبيقية، واستفادته من دراسة خصائص المادة واستخدام الطاقات الكونية المختلفة، فنحن نعرف طرقاً شتى لاستخدام الكهرباء في التدفئة والعلاج والإنارة وإدارة الآلات وتسيير القاطرات والسيارات وغير ذلك من الاستخدامات، إلا أننا لا نعرف تماماً ما هي الكهرباء، وقل مثل ذلك في الضوء والحرارة، فنطلق على كل ذلك لفظاً مبهماً هو الطاقة التي أودعت بين ثنايا الكون وأرجائه المختلفة.

وعلى الرغم من محاولة العلم الحديث التعرف على اللبِنات الأولى التي ينبني عليها الكون المادي ومحاولة التعرف على الذرة إلا أنه لم يخرج بطائل من دراسته هذه، يقول العلم الحديث: قوام الذرات جسيمات متناهية في الصغر تتشابه في جميع ذرات العناصر داخل كل ذرة ـ بالاضافة إلى النواة ـ نوع المادة أو العنصر، خلقت منه الأجرام السماوية وتطورت عنه داخل الشموس والنجوم سائر المواد المعروفة، قد كان المعتقد إلى عهد ليس ببعيد بين جمهرة العلماء أن الذرة غير قابلة للتجزئة إلى جسيماتها أو طاقاتها الأولية.. ولكن لما عرفت وسائل تحطيم الذرة في هذا العصر أمكن الجزم بإمكان تقسيم الذرة وانطلاق طاقات عظمى مما يدخر بين ثناياها أساسها الطاقة التي استخدمت في الأصل في ربط جسيماتها الأولية، فهل هذا الغاز الكوني هو الدخان الذي شكل أصل التكوين المادي؟ أو أن المراد بالدخان هي تلك السدم الغازية الملتهبة التي تتجمع في ساحات هائلة من الكون تشكل نجوماً أو مجموعات منها؟

استطاع علماء الذرة في السنوات الأخيرة تجزئة الذرة وتقسيمها، وقد وجدوا أنها تحتوي على البروتون والنيترون والاليكترون بواسطة التجزئة اخترعوا القنبلة الذرية والهيدروجينية، قال تعالى: ” وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” (يونس، آية: 61).

فكلمة ” أَصْغَرَ” من الذرة في الآية الكريمة تصريح جلي بإمكان تجزئتها، وفي قوله: “وَلاَ فِي السَّمَاء” بيان بأن خواص الذرات في الأرض هي نفس ذرات العناصر الموجودة في الشمس والنجوم والكواكب الأخرى، فمن لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وهو الأمي بعلم الذرة أن يعرف هذا، وهذا دليل واضح على أن القرآن وحي من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

والأمر الآخر في آيات “فُصلت” هو خلق الأرض، ووضع البركة فيها وتقدير الأقوات في أربعة أيام، كل ذلك قبل تشكيل السماء وجعلها سبع سماوات وهذه الحقيقة لا يستطيع العلم البشري أن يصل إليها إلا من طريق الوحي من خالق السماوات والأرض، لأن وسائل البشر محدودة فلا يستطيع أن يخترق بوسائله المادية حجب غيب الماضي ليعرف تكوين الأجرام الكونية السابق منها عن اللاحق.

وهنا لابد من الإشارة إلى آيات سورة “النازعات” فقد يفهم بعضهم أنها تتعارض مع آيات سورة “فصلت” وقد ثار هذا الإشكال في عصر الصحابة رضوان الله عليهم.

في صحيح البخاري قال: .. وقال المنهال عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما إني لأجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال:” فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ” ” وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يتَسَاءلُونَ” ” وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا” “وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ” فقد كتموا في هذه الآية. وقال تعالى:” أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا” إلى قوله ” وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا” فذكر خلق السماء قبل الأرض ثم  قال تعالى:” قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ” إلى قوله ” طَائِعِينَ ” فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، قال: “وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا” ” عَزِيزًا حَكِيمًا” ” سَمِيعًا بَصِيرًا”، فكأنه كان ثم مضى.

فقال ابن عباس رضي الله عنهما:” فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ” في النفخة الأولى “ثُمَّ َنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ” فلا أنساب بينهم عند ذلك، ولا يتساءلون بينهم وفي النفخة الأخرى:” وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ” وأما قوله “وَاللّه ِرَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ” “وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا” فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون تعالوا نقول لم نكن مشركين فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك يعرف أن الله تعالى لا يكتم حديثاً، “يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا” وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله تعالى “دَحَاهَا”، وقوله “خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ” فخلق  الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلق السماوات في يومين. “وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا” سمى نفسه بذلك وذلك قوله: أي لم يزل كذلك فإن الله تعالى لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد فلا يختلقن عليك القرآن فإن كلاً من عند الله عز وجل.

إن خلق الأرض قبل السماء بالنص وإنما دُحيت بعد خلق السماء، بمعنى: أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل وعن ابن عباس “دَحَاهَا” ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام.

وأما الحقيقة الثالثة في آيات سورة “فُصلت” فهي الدورات التكوينية للأرض والسماء ومجموعها في ستة أيام وقد اختلف المفسرون قديماً في مقدار اليوم المقصود في الآيات الكريمة، فاليوم الاصطلاحي الذي ترتبط به الأحكام التكليفية من الصوم والصلاة والعدة وغير ذلك هو من مطلع الفجر أو الشمس إلى غروبها، إلا أن هذه المدة الزمنية المعينة لا تقدر بهذا المقدار إلا بعد وجود الأرض والشمس ووجود دوراتهما في أفلاكهما. والحديث هنا عن خلق الأرض والسماء، فكيف نقدر قبل وجودهما؟

هذا ما دفع بعض المفسرين للذهاب إلى تقدير تلك الأيام بفترة زمنية تتناسب مع أدوار التكوين، فعن مجاهد: يوم من الستة أيام كألف سنة مما تعدون وهو يشير إلى قوله تعالى:” وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ” (الحج، آية: 47).

وجاء في سورة المعارج قوله تعالى: ” تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ” (المعارج، آية: 4).

وفي سورة السجدة: ” يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إلى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ” (السجدة، آية ” 5).

ويذهب علماء الفلك المعاصرون إلى ما يطلقون عليه “النسبية الزمنية” وأن لكل كوكب وحدته الزمنية الخاصة به وذلك يقدر بالنسبة لسبحها في الفضاء ودورانها في أفلاكها.

وإطلاق القرآن الكريم اسم اليوم على مقدار ألف سنة تارة وخمسين ألف سنة تارة أخرى يشير إلى مفهوم النسبية هذا.

هذا ما جعل الباحثين في أصل تكوين الأجرام السماوية يطلقون اصطلاح الدورات التكوينية.

فالدور الأول: كون الأرض مع السماء رتقاً.

والدور الثاني: انفصال الأرض عن السماء.

والدور الثالث والرابع: هما دور تهيئة الأرض للحياة بإرساء الجبال فيها وتقدير الأقوات، وخلق الحياة.

إلا أن تقدير هذه الدورات بالمدد الزمنية تتفاوت أقوالهم فيها، وهم في ذلك يتبعون الظن وما هم بمستيقنين.

فطالما أن الإنسان ـ أي إنسان ـ لم يشهد خلق السماوات والأرض وكذلك لم يشهد خلق نفسه ولا خلق غيره فكيف يعرف الحقيقة إذن؟ وصدق الله العظيم:” مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا” (الكهف، آية: 51).