الإدارة المحلية والأقليات في ليبيا.. التبو

الإدارة المحلية (الحكم المحلي) أو السلطة المحلية بمفهومها العام هي أسلوب تنظيم إداري ومالي أو سياسي محلي يسمح بممارسة بعض وظائف السلطات المركزية بواسطة هيئات أو مجالس محلية مستقلة، وتعمل هذه المجالس على الاختصاصات المنوط بها من تقديم الخدمات للسكان وتحقيق الأهداف والمصالح داخل نطاقها الجغرافي سواء أكانت هذه المجالس منتظمة كبلدية أو محافظة أو إقليم، والمعروف أن السكان المحليين قد يختلفون في طبيعتهم ومصالحهم جغرافيا أو اجتماعيا أو قوميا أو دينيا، لهذا يتم تنظيم المناطق المحلية بأخذ هذه الأبعاد الجوهرية عند تقسيم الحكم المحلي، وقد تنتظم في شكل مناطق إدارية متماثلة بمعنى كل المحليات لها نفس الصلاحيات أو غير متماثلة بمعنى بعضها لها صلاحيات تختلف عن أخرى لاعتبارات وخصوصيات.

لا يخفى على أحد أن اللامركزية أصبحت مطلباً للكثير من الليبيين وخاصة الأقاليم البعيدة من المركز برقة وفزان، التي عانى سكانها من المركزية السياسية والإدارية والمالية، فكل السلطات والمؤسسات كانت متركزة في إقليم طرابلس، مما نتج عنها غياب التنمية بالمناطق والمشاركة في اتخاذ القرار والتعبير الثقافي واللغوي، لقد خلّفت المركزية المقيتة تفاوتا صارخا بين الجنوب والشمال، المدن والقرى الجنوبية مهمشة على المستوى الكلي نسبة للشمال، أيضا مهمشة بشكل آخر على مستوى جزئي أي داخل الجنوب نفسه سواء الشرقي _ تازر_ “الكفرة” والغربي “فزان” على أساس الانتماء قومي وذلك بتمييز وتهميش مناطق وقرى التبو بشكل ممنهج أثناء فترة حكم القذافي.

الآن، كثيراً ما تخشى الأقليات وخاصة التبو في ليبيا بعد فبراير من هيمنة الأغلبية العربية على السلطة المحلية من جديد بفرض حكمها وقيمها الثقافية، وقد تعرضت هذه الأقلية لعمليات عنصرية حتى بعد فبراير وصولا إلى القتل ومحاولات التهجير من المناطق والقرى بقوة الدولة.

لذلك طالب التبو بحقوقهم الإدارية المحلية في الدستور لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمحافظة على اللغة باعتبارها حقوق أساسية وطبيعية وواقعية، وكفلها القانون الدولي لحقوق الشعوب الأصلية والأقليات، وبمقتضى هذا القانون فإن “للشعوب الأصلية لها الحق لتقرر بحرية في وضعها السياسي وتسعى بحرية لتحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”.

واقع التبو قبل الفبراير

طبعا التبو هي مجموعة إثنية افريقية تعيش في السودان الأوسط من الصحراء الكبرى ومنها ليبيا كسكان أصليين في الجزء الجنوبي متوزعين في مناطق كتازر “كفرة” وربيانة وسبها ومرزق والقطرون وتجرهي وأم الأرانب وأوباري، لكن منذ تأسيس الدولة الليبية لم يتمكن التبو من الاستفادة بالسلطة المحلية فقد اتبعت الدولة سياسات تجفيف المناطق والقرى الحدودية من الخدمات وضمها لمناطق أخرى ذات أغلبية عربية مما تسببت في تهجير التبو من مناطق مثل الواو وتاونوا “العوينات” وغيرها، كذلك تم إتباع سياسة اللاتوازن في داخل المناطق بتنمية جهات الأغلبية العربية وتهميش جهات التبو واستبداد المكون العربي واستفراده بالقرار، أيضا قيامها بوضع مستويات إدارية أدنى ليست لها صلاحيات مثل بقية الإدارات المحلية التي تخص الأغلبية العربية وتنصيب أشخاص من العرب عليها.

كل هذه السياسات والإجراءات العنصرية ولدت التفاوت الاقتصادي والاجتماعي وتركز سلطة القرار في المكون العربي، وتغييب التبو من جميع الأنشطة العامة، والفقر، والحرمان، إلا بغرض الترميز التضليلي للتغطية على الواقع مثلا تنصيب شخص تباوي بمسؤول قطاع شباب والرياضة في منطقة ” الكفرة”!. في ظل هذه العنصرية والتحديات المختلفة انفجرت صراعات عرقية عديدة وبصور مختلفة.

واقع التبو بعد الفبراير

في ظل الاستبداد والتهميش الإداري المحلي والصراع مع الأجهزة القبلية التي كان نظام القذافي يغطيها ويحجبها عن الإعلام، انتفض التبو في 17 فبراير مشاركة في الثورة ضد الظلم والعنصرية، طامحين بدولة ديمقراطية ذات قوميات مختلفة تكفل كافة الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية، لكن مليشيات الدولة السياسية والإدارية والعسكرية لا تزال تحتفظ في أركانها ببعض بقايا أفكار النظام السابق وتكرس فكرة تسلط الأغلبية العربية، حيث أن أوضاع التبو لم تتحسن بل تعرضوا للقتل والتحريض والتهجير ولا يزالون يعانون من التمييز والتهميش الإداري، مثلاً:

  • منطقة سبها تعرض مناطق التبو للقصف والقنص والحرمان من الإدارة المحلية وضمها لبلدية سبها التي تسيطر عليها القبائل العربية، هم مستبعدون من الإدارات الحكومية، وتفتقر مناطقهم من ابسط الخدمات.
  • منطقة ربيانة محرومة من ابسط الخدمات وعندما أقرت الدولة بتسمية المجالس المحلية بعد فبراير جعلتها مجلساً محلياً مستقلا، لكن المكون العربي في الكفرة اعترض على هذا القرار فألغى المجلس الانتقالي قرار إنشاء مجلس محلي ربيانة وجعلها تابعة لبلدية الكفرة لضمان عدم تنميتها واستفادة التبو.
  • منطقة القدرفي في السابق تعرضت للحصار والحرمان من قبل المكون العربي الكفرة وبعد فبراير طالب التبو ببلدية ولكن الحكومة المؤقتة رغم رفض التبو جعلتها منطقة إدارية مستقلة بجوار بلدية الكفرة ثم ألغتها لاحقا وجعلتها فرع بلدي تابعة لبلدية الكفرة لغرض استتباعها للمكون العربي.
  • منطقة مرزق هذه المنطقة كانت ثان أكبر مساحة في التقسيمات الإدارية السابقة “الشعبيات” في عهد القذافي وتم ضم مناطق التبو داخل هذه المنطقة لتغليب المكون العربي وإحداث مشاريع تغيير ديموغرافي عربي، وتهميش مناطق التبو وحرمانها، بعد فبراير تشكلت بلدية مرزق ولكن المكون العربي مارس المغالبة ونقل مقر البلدية لطرابلس لكي لا يشارك التبو في القرار.

نظراً لكل هذا التهميش في جانب الإدارة المحلية منذ تأسيس الدولة وواقع التبو في الجنوب والتهديدات التي يتعرضون لها فإن الحكم المحلي يعتبر حقا أساسيا طبيعيا لهم وفقا للمواثيق الدولية (إعلان الشعوب الأصلية والأقليات) تحقيقا للاستقرار والتنمية والتعايش، لا بد من التوافق على ترسيم مناطق إدارية مستقلة في الدستور الليبي الدائم أو في أي تقسيمات إدارية في المرحلة الانتقالية، منطقة ربيانة لا بد أن تكون بلدية وكذلك منطقة القدرفي ومنطقة الطيوري وغيرها من المناطق المهمشة.

2
اترك تعليق

2 مجموع التعليقات
0 عدد الردود
1 المتابِعون
 
أكثر التعليقات تفاعلا
أكثر التعليقات شعبية
2 المعلقون
  اشتراك  
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
مواطن ليبي عربي

لامشكلة لدى جميع الليبيين فى الطريقة التى تختارها أقلية بعينها لحكم نفسها .. المشكلة تكمن لديكم فى محاولاتكم ضم جميع قبائل التبو فى كل من تشاد والنيجر ليصبحوا ليبيين وهذا ماثبت تاريخيا فشله فى الكفرة بل وقامت الحروب لأجله وثبت إنه غير قابل للتحقيق سواء بالحرب أو بالديمقراطية فالديمقراطية فى أبسط مفاهيمها هى حكم الأغلبية. ليبيا هى دولة غالبيتها عربية وهذا أمر ثابت لايغيره نظام حكم ولادستور ولادكتاتور …. ليبيا كان يسكنها اليونان والرومان والمشواش ..وشيشنق الليبي كان يحكم مصر .. ليبيا عربية ولامجال منطقى لغير ذلك إلا بإبادة العرب أو جعلهم أقلية وهذا مايسعى إليه التبو فى حربهم فى… قراءة المزيد ..

إيمان التباوي

ما حدث ويحدث في كل لحظة ليس مجرد سياسات ظالمة ، بل هي حيوات توضع على المحك لاعتبارات عرقية ، أحلام توؤد وحقوق تسلب ، هي أرواح مهددة في كل موقف يتأجج بفعل هذا التعدي السافر الذي تتم تغذيته من قبل بعض وسائل الإعلام ومن المتعصبين الذين – وللأسف الشديد جدا – لهم أصوات مسموعة وآراء رغم أنها تطفح بالكراهية والتمييز إلا أن ذلك لم يحل دون تبنيها من قبل من لا يستنكفون من أن تتم أدلجة عقولهم .. السياسيين الليبيين وصناع القرار الغائبين بمحض إرادتهم عن هذه المناطق وغيرها ، المتعامين – بمحض إرادتهم كذلك – عن الظروف القاسية… قراءة المزيد ..