بلاستيكو

الإعلام ومفوضية الانتخابات

الإعلام ومفوضية الانتخابات

نقلت مصادر الأخبار خلال الأسبوع المنصرم قيام المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بتنظيم لقاء بمقرها جمع أعضاءها مع عدد من الصحفيين والإعلاميين للتنسيق المشترك مع الإذاعات والصحف الوطنية والمحلية للعمل والتعاون من أجل تثقيف المواطنين والمواطنات، الناخبين والناخبات، وتعريفهم بمفردات ومصطلحات ومجريات العملية الانتخابية وتشريعاتها وآلياتها التنفيذية.

ولاشك أن هذا اللقاء يعد مبادرة جيدة ومطلباً ضرورياً، وخطوة تحسب للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات وإن جاءت متأخرة جداً خلال هذه المرحلة الحساسة، نتيجة للظروف الاستثنائية، وغير الطبيعية، والمستعجلة التي ولدت فيها التشريعات الخاصة بالانتخابات، ولعل أبرزها ضغوطات الوعاء الزمني الذي يجعل من الصعب تجهيز اللوائح الإدارية، وإعداد وتدريب العناصر البشرية المؤهلة، واختيار المقار وتوفير المعدات والأجهزة والمناخات اللازمة لإنجاز إعادة ممارسة عملية الانتخاب في ليبيا الحبيبة بعد انقطاع لعدة عقود زمنية، وغير ذلك كثير.

وإذا كانت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات نفسها قد ولدت تحت ظروف صعبة ومتأخرة جداً في ظل عدم وضوح ودقة اللوائح والتشريعات القانونية، وغياب العديد من الإمكانيات التقنية والخبرات الفنية، الضرورية لتسيير عملها لتنفيذ آلية الانتخابات، فإن المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة والالكترونية هي الأخرى، رغم فضاء حرية التعبير الكامل الذي وفرته ثورة فبراير المباركة، وعدد هذه المؤسسات الكبير وغير المسبوق في تاريخ الإعلام الليبي سواء كانت الإصدارات الصحفية الورقية أو المحطات الإذاعية المسموعة والقنوات المرئية الفضائية، فإنها لازالت تبحث عن هويتها المميزة وتتلمس شخصيتها المستقلة الثابتة في ظل غياب الرؤية الوطنية الشاملة للإعلام وكذلك العناصر المهنية الفنية الإعلامية سواء في أداء العمل الإخباري الصحفي المكتوب أو الإذاعي بشقيه المرئي والمسموع خاصة.

من هنا نجد أن كلتا الجهتين ذات العلاقة المباشرة بالعملية الانتخابية وهما المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والمؤسسات الإعلامية الرسمية والمستقلة المختلفة تعاني عجزاً ولم يكتمل إعدادهما تشريعياً ومهنياً وبشرياً بمستوى الطموح الذي يجعلنا نعول على قدرتهما بكل ثقة في إدارتهما للانتخابات القادمة على الوجه الأكمل، ولذلك لابد من الاعتراف صراحة وبكل شفافية بأننا في حاجة ماسة إلى الاستفادة من تجارب وخبرات الآخرين من الأمم الأخرى والمنظمات الإقليمية والدولية وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة التي يقع عليها التزام أدبي وأخلاقي ورسمي لتقديم المساعدات الفنية لإحدى الدول الأعضاء فيها، وهذا الالتزام يطال أيضاً بعثة الاتحاد الأوروبي وغيرها من المنظمات المماثلة.

ولكل تلك الاعتبارات فإننا سنضع في توقعاتنا ظهور جوانب قصور في الخطط الإعلامية والآليات التنفيذية للانتخابات القادمة لأن التغطية الإعلامية الفعالة للانتخابات، لابد أن تعتمد إلى حد كبير كغيرها من الخطط والأعمال، على التخطيط الجيد، ويجب أن يتم وضعها ورسمها قبل انطلاق الحملات الانتخابية بوقت كاف ومناسب لكي تقوم بعملية التوعية والتشجيع على ممارسة الحق الانتخابي حتى يستطيع المواطن خلالها الإلمام بمراحل العملية الانتخابية، والتدرب على آلية تنفيذها، والتعرف على كل المرشحين بدرجة متقاربة إن لم تكن متساوية، والاطلاع على برامجهم الانتخابية، وتقديمهم من خلال وسائل الإعلام بكل (حيادية) وشفافية ومصداقية، وتهيئة كل الناس نفسياً لتقبل الرأي والرأي الآخر بكل احترام وتقدير، وفق أسس سلوكيات التحاور والنقاش والجدال وحق الاختلاف مع الطرف الآخر.

ومن البديهي أن جميع الخطط الإعلامية الخاصة بالحملات الانتخابية لابد أن ترصد لها الميزانيات اللازمة لكي تتمكن من تنفيذ برامجها الفنية بكل دقة وحرفية، بداية من توفير الأجهزة والمعدات وإعداد وتدريب الإعلاميين من محررين ومصورين وصحفيين وفنيين، وكذلك الكوادر التي تعمل على جمع التفاصيل حول مكاتب الاقتراع المتمثلة في مواعيد التسجيل وبدء وانتهاء الحملة والتعريف بالنظام الانتخابي سواء كان نظام القائمة أو الفائز الواحد، وتجهيز فرق الطوارئ وغيرها كثير.

وفي برامجها يجب ألا تقتصر الخطط الإعلامية على استضافة المرشحين وذوي العلاقة بالعملية الانتخابية ونقل وبث تسجيلات المحاضرات التوعوية، بل عليها أن توظف العديد من الشخصيات أو الرموز الوطنية التي تحظى بالتقدير والمكانة الرفيعة المحترمة في جميع الأوساط الشعبية مثل المشاهير من الرياضيين والفنانين والمشائخ والكتاب والأدباء والثوار لما يمثله ظهورهم في إعلانات التوعية والإرشاد عبر سائل الإعلام المختلفة من ثقة وأهمية وسرعة إيصال الرسالة التوعوية للمتلقي وبالتالي ضمان استجابة شرائح عريضة من الناس لتلك الرسالة بنسبة أكبر مما لو قدمت بشكل روتيني وبشخصية عادية.

كما أن الحملات والبرامج الإعلامية الخاصة بتغطية الانتخابات يجب ألا تنتهي أو تتوقف عند فرز الأصوات وإعلان النتائج، بل وسائل الإعلام المختلفة مطالبة باستمرار عملها حتى بعد انتهاء الانتخابات وذلك بتقديم تقارير حول التوجهات الانتخابية والتحليل الموضوعي النزيه لأسباب الفوز والخسارة واستعراض مظاهر السلبيات لكي يتم مناقشتها وتفاديها، وإبراز الايجابيات حتى يتم ترسيخها وتوطينها في الانتخابات الوطنية اللاحقة.

إننا لن نطالب المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والمؤسسات الإعلامية المختلفة بإعادة صناعة عجلة جديدة، كما يقولون، وإنما نحثهم على الاستفادة من تجارب الآخرين وتطويعها لما يلائم ويوافق الخصوصية الليبية، والاستعانة بمتطوعي مؤسسات المجتمع المدني العديدة، والاستفادة من أخطاءنا الخاصة والعمل على عدم تكرارها، وعند ذلك لن يكون هدفنا تحقيق نجاح الانتخابات فقط، بل سننشد التميز والتألق الذي سيقترن بكل الليبيين والليبيات … لأنهم جديرون به.

للتواصل مع الكاتب:

البريد الإلكتروني: fenadi@yahoo.com

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

اترك تعليقاً