بين إدارة الأزمة وإشكالية الحل
الملخص التنفيذي
منذ عام 2011، اضطلعت الأمم المتحدة بدور رئيسي في المسار الليبي عبر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL)، حيث ساهمت في تيسير مسارات سياسية متعددة، وحوارات وطنية، ومبادرات دولية تهدف إلى دعم الانتقال السياسي وبناء مؤسسات الدولة.
ومع مرور حوالي عقد ونصف من الزمن على هذه الجهود، تشير التطورات إلى وجود تحديات كبيرة في تحقيق الاستقرار الدائم والوحدة الوطنية، مما يستدعي تقييماً موضوعياً لهذا الدور وفعاليته في المعالجة الجذرية للأزمة الليبية.
أولاً: تطور دور الأمم المتحدة في ليبيا – المراحل الرئيسية
- مرحلة ما بعد 2011: إدارة ما بعد النزاع (2011 – 2014)
السمات الرئيسية:
· التركيز على الدعم التقني للعملية السياسية والانتخابية.
· افتراض انتقال تدريجي نحو بناء الدولة.
· محدودية المعالجة الشاملة للملف الأمني ومراكمة السلاح.
التقييم:
· تم التركيز على الجانب السياسي مع إغفال نسبي للأبعاد الأمنية والمؤسسية.
· اعتبار المرحلة مرحلة انتقالية قد لا تتطلب تدخلاً مؤسسياً مكثفاً.
· ظهور تحديات مبكرة في بناء مؤسسات سيادية فاعلة.
- مرحلة الانقسام السياسي والمؤسسي (2014 – 2017)
السمات الرئيسية:
· رعاية اتفاق الصخيرات وتشكيل حكومة الوفاق الوطني.
· السعي لتحقيق توافق سياسي بين الأطراف الرئيسية.
· محاولة إدارة الانقسام من خلال آليات الحوار.
الإشكاليات:
· محدودية شمولية الاتفاق وتمثيله لكافة الفاعلين.
· عدم معالجة كافية للجذور الاجتماعية والجهوية للانقسام.
· عدم الربط الكافي بين المسار السياسي والمتطلبات الأمنية والاقتصادية.
- مرحلة تثبيت الأمر الواقع (2018 – 2020)
السمات الرئيسية:
· الاعتراف بالأطراف الفاعلة على الأرض كشركاء في الحوار.
· محاولة الحفاظ على خطاب سياسي موحد رغم الانقسامات.
· محدودية القدرة على التأثير في التدخلات الخارجية.
التقييم:
· تحول دور البعثة إلى وساطة دون أدوات ضغط كافية.
· تراجع نسبي في الثقة الشعبية في القدرة على تحقيق اختراقات.
· استمرار الاعتماد على التسويات السياسية المؤقتة.
- مرحلة ملتقى الحوار السياسي وخارطة الطريق (2020 – 2022)
السمات الرئيسية:
· التوصل إلى اتفاق لسلطة تنفيذية مؤقتة (حكومة الوحدة الوطنية).
· وضع إطار زمني لانتخابات وطنية.
· استمرار التركيز على الحوار كآلية رئيسية.
الإشكالية الجوهرية:
· ضعف الآليات التنفيذية والرقابية لضمان الالتزام بالاتفاقات.
· استمرار هيمنة النخب السياسية على العملية.
· تعثر المسار الانتخابي رغم الوعود المتكررة.
- مرحلة الجمود والإنهاك السياسي (2022 – 2025)
السمات الرئيسية:
· تكرار المبادرات السياسية مع محدودية النتائج الملموسة.
· عجز عن فرض جدول زمني واضح للمرحلة الانتقالية.
· تنامي تأثير الفاعلين الخارجيين على حساب الدور الأممي.
ثانياً: التقييم النقدي لأداء بعثة الأمم المتحدة
- محدودية التفويض والصلاحيات: عملت البعثة ضمن تفويض سياسي يركز على الوساطة، مع عدم توفر أدوات كافية لتنفيذ الاتفاقات أو فرض المساءلة.
- اختلال المقاربة: تركز الجهود على المسار السياسي مع إغفال نسبي للأبعاد الأمنية والاقتصادية والخدمية.
- غياب الاستمرارية: تأثرت الجهود بتغير المبعوثين وتعدد الرؤى، مما أثر على تراكم الخبرة واستمرارية النهج.
- محدودية مراعاة الخصوصية الوطنية: اعتماد مقاربات قد لا تتلاءم تماماً مع السياق الليبي المحدد وتعقيداته الاجتماعية.
- تعثر المسار الانتخابي: عجز متكرر عن تحقيق انتقال ديمقراطي عبر انتخابات حرة ونزيهة.
- ضعف معالجة الفساد: محدودية التركيز على مكافحة الفساد كأحد الأسباب الهيكلية للأزمة.
ثالثاً: تقييم جدية السعي نحو الحل
الاستنتاج التحليلي:
· أظهرت الأمم المتحدة التزاماً دبلوماسياً وسياسياً مستمراً، لكنها واجهت عجزاً عملياً عن تحقيق اختراقات حاسمة.
· مال النهج الأممي نحو إدارة الأزمة وحفظ الاستقرار النسبي أكثر من السعي لحلول جذرية.
· تأثر الدور الأممي بالتوازنات الإقليمية والدولية، مما حد من قدرته على الاستقلالية والفاعلية.
النتيجة:
· لم تترجم الجهود السياسية إلى إنجازات ملموسة على الأرض، مما عمق من الشعور بالإحباط لدى الشعب الليبي.
رابعاً: المقترحات التطويرية للدور الأممي
- إعادة تعريف الدور: الانتقال من الوساطة السياسية إلى الدعم الشامل لبناء الدولة، مع التركيز على تمكين الإرادة الشعبية.
- توسيع الصلاحيات: منح البعثة أدوات أوسع لمراقبة التنفيذ ومحاسبة المعطلين.
- خارطة طريق واضحة: اعتماد إطار زمني محدد يقود إلى انتخابات شاملة، مع تجديد المراحل الانتقالية غير المنتجة.
- دعم الشرعية الشعبية: التركيز على تمثيل إرادة الليبيين ومصالحهم فوق الاعتبارات السياسية الضيقة.
خامساً: التوصيات الاستراتيجية
- تبني مقاربة شاملة: ربط المسار السياسي بالأمن والعدالة والتنمية الاقتصادية.
- إشراك أوسع: تفعيل دور المجتمع المدني والنخب الوطنية المستقلة.
- تعزيز الشمولية: العمل على اتفاقات وطنية جامعة تتجاوز النخب السياسية الحالية.
- مواجهة التدخلات الخارجية: تطوير آليات واضحة للحد من التأثيرات الخارجية السلبية.
- اعتماد رؤية طويلة الأمد: بناء استراتيجية متكاملة تتعامل مع الأزمة الليبية بجميع أبعادها.
الخلاصة العامة
إن التحديات التي تواجه ليبيا تستدعي إعادة تقييم جادة للدور الأممي، مع ضرورة الانتقال من إدارة الأزمة إلى المساهمة الفعلية في حلها.
ولا يزال هناك مجال لتصحيح المسار من خلال اعتماد نهج أكثر شمولية واستقلالية، يركز على تمكين الليبيين وتحقيق تطلعاتهم في الاستقرار والديمقراطية والتنمية.
إن استمرار الوضع الراهن يحمل مخاطر على الاستقرار الليبي والإقليمي، مما يجعل من المراجعة الجادة للدور الأممي ضرورة ملحة لجميع الأطراف المعنية.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.






اترك تعليقاً