شهد لبنان تصعيدًا عسكريًّا واسعًا على الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، في واحدة من أعنف موجات التصعيد خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما شنّ الجيش الإسرائيلي أكثر من 80 غارة وضربة جوية ومدفعية استهدفت 71 بلدة ومنطقة لبنانية في الجنوب والبقاع الغربي وجبل لبنان، وفق ما أوردته قناة RT العربية.
وأسفرت الهجمات الإسرائيلية، بحسب حصيلة أولية، عن مقتل 27 شخصًا وإصابة نحو 30 آخرين خلال يوم واحد، فيما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية لاحقًا مقتل شخص وإصابة 13 آخرين في غارة استهدفت بلدة بدياس جنوب البلاد، بينهم 6 أطفال وسيدتان.
وشملت الغارات الإسرائيلية بلدات النبطية الفوقا، حاروف، كفرتبنيت، أرنون، دير أنطار، تولين، المنصوري، العباسية، صفد البطيخ، ميفدون، مجدل سلم، كفررمان، طيردبا، برج رحال، ياطر، حبوش والسكسكية، إضافة إلى قليا والأحمدية في البقاع الغربي شرقي لبنان.
كما نفذت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية استهدافات متفرقة في صور والدامور والسعديات وتبنين وحاريص والشهابية وكفردونين وأنصار، بالتزامن مع قصف مدفعي مكثف طال بلدات بيت ياحون، فرون، يحمر الشقيف، زوطر الشرقية، برعشيت، قبريخا ومجدل زون.
وامتدت العمليات العسكرية إلى تفجيرات نفذها الجيش الإسرائيلي داخل بلدات حدودية، بينها ميس الجبل وعيترون والخيام ويارون وكفركلا، في ظل استمرار التحليق المكثف للطائرات المسيّرة فوق مناطق عدة، بينها العاصمة بيروت وضواحيها.
وفي المقابل، أعلن “حزب الله” تنفيذ 22 عملية عسكرية ضد مواقع وآليات وتجمعات للجيش الإسرائيلي، باستخدام صليات صاروخية وطائرات مسيّرة انقضاضية، استهدفت مواقع في البياضة ورشاف ودير سريان وشلومي وطيرحرفا وشمع والناقورة، إضافة إلى استهداف دبابة ميركافا وآليات عسكرية إسرائيلية.
وأكد الحزب أن عملياته تأتي ردًّا على ما وصفه بالخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار واستهداف المدنيين في جنوب لبنان، مشيرًا إلى أن المقاومة “معنية بالدفاع عن أرضها وشعبها”.
من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي مهاجمة أكثر من 85 بنية تحتية قال إنها تابعة لـ”حزب الله” خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، موضحًا أن الضربات استهدفت مستودعات أسلحة ومنصات إطلاق ومبانٍ تُستخدم لأغراض عسكرية، إضافة إلى عناصر اتهمهم بالتخطيط لتنفيذ هجمات ضد قواته في جنوب لبنان.
وفي السياق السياسي، طالب الرئيس اللبناني جوزيف عون بضغط أوروبي لوقف إطلاق النار وإعادة نشر الجيش اللبناني على الحدود الدولية، وسط تحركات دبلوماسية ومفاوضات مرتقبة في واشنطن لبحث تثبيت التهدئة ووقف الخروقات الإسرائيلية.
وتزامن التصعيد الميداني مع تصاعد التوتر الإقليمي، بعدما تحدثت تقارير إسرائيلية وأمريكية عن تأهب عسكري واسع واحتمالات توسع المواجهة على أكثر من جبهة، في ظل استمرار التوتر المرتبط بإيران وقطاع غزة وجنوب لبنان.
كما حذر عضو المجلس السياسي في “حزب الله” محمود قماطي من ما وصفه بـ”الأطماع الإسرائيلية” في لبنان والمنطقة، رافضًا أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، ومؤكدًا أن الحزب سيواصل الرد على أي خرق إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
الجيش الإسرائيلي يعاني أمام مسيرات حزب الله: الركض إلى الملاجئ والصلاة
كشفت تقارير إسرائيلية عن حالة قلق وإرباك متصاعدة داخل صفوف الجيش الإسرائيلي المنتشر في جنوب لبنان، مع اعتراف جنود وضباط احتياط بعجزهم عن مواجهة الطائرات المسيرة الانتحارية التابعة لحزب الله، والتي وصفت بأنها تشكل تهديدًا متقدمًا لا توجد له حلول فعالة حتى الآن.
ويواجه الجنود الإسرائيليون مشكلة وصفها مراقبون محليون بالكارثية، تتمثل في التعامل مع مسيرات حزب الله الحديثة العاملة بتقنية الألياف البصرية، والتي تتميز بصغر حجمها وصعوبة رصدها وسماعها، ما يجعل الجنود مكشوفين بشكل شبه دائم تحت السماء.
وأفادت شهادات نشرها الإعلام الإسرائيلي بأن الجنود يعتمدون على ما وصفوه بـ”حلول العصر البدائي” لحماية أنفسهم، أبرزها استخدام شباك صيد يتم شراؤها من تبرعات مدنيين إسرائيليين، بهدف تخفيف أثر الانفجار عند سقوط المسيرات على المواقع والقوات.
وقال أحد جنود الاحتياط، الذي خدم نحو 500 يوم منذ بداية الحرب ويشارك حاليًا في جولته السادسة بلبنان، إن الجنود يعيشون تحت تهديد دائم، مضيفًا: “ليس لدينا أي رد حقيقي على هذه المسيرات سوى الركض إلى الملاجئ والصلاة”.
وأضاف الجندي أن الإنذارات من المسيرات تتكرر عدة مرات يوميًا، وأن بعض الهجمات تؤدي إلى إصابات فعلية بعد فشل القوات في التعامل معها ميدانيًا، مؤكدًا أن بعض الوحدات لا تمتلك منظومات تصويب متطورة أو أدوات اعتراض فعالة، رغم تصريحات الجيش الرسمية عن تطوير حلول تقنية.
وأشار إلى أن قادة الوحدات الميدانية يضطرون لجمع تبرعات عبر منصات التواصل لشراء معدات حماية بسيطة، قائلاً: “بدلاً من أن يوفر الجيش وسائل إنقاذ الحياة، يجمع المسؤولون المال من المدنيين لشراء شباك ومعدات حماية”.
كما لفت الجندي إلى تكتيكات حزب الله المعقدة، إذ غالبًا ما يرسل مسيرة ثانية لاستهداف فرق الإنقاذ والإخلاء بعد الضربة الأولى، ما يزيد من خطر الإصابات على الجنود والمسعفين.
ورغم محاولات الجيش الإسرائيلي طمأنة جنوده بالإعلان عن تطوير حلول جديدة، تشمل رادارات خاصة، وأسلحة قصيرة المدى، ووسائل حماية فوق المواقع والآليات، إلا أن المعطيات الميدانية تعكس أزمة حقيقية في مواجهة هذا النوع من الطائرات المسيرة المنخفضة الارتفاع.
وبحسب الجيش الإسرائيلي، أصيب أكثر من 100 جندي وجندية خلال المواجهات في لبنان جراء هجمات المسيرات الانتحارية، فيما قُتل ثلاثة جنود على الأقل، ما يعكس التحول الكبير الذي فرضه سلاح المسيرات على طبيعة المواجهة في الجبهة الجنوبية.





