الحرب السودانية تلتهم المدنيين.. «مجموعة السبع» توجه رسالة حاسمة لطرفي الصراع

تواصلت التطورات الأمنية والإنسانية في السودان مع تسجيل اشتباكات مسلحة في مدينة الدبة بولاية نهر النيل، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تطالب بتسريع إجراءات المساءلة عن الانتهاكات في إقليم دارفور، ودعوات دولية لوقف التصعيد وحماية المدنيين.

وشهدت مدينة الدبة مساء الأربعاء اشتباكات مسلحة عنيفة داخل سوقها الشعبي، أسفرت عن مقتل 8 أشخاص وإصابة 16 آخرين، بينهم امرأة.

ولم تستقر الأوضاع في المدينة، إذ تعرضت محطة الكهرباء التحويلية لاحقًا لقصف نفذته عناصر من قوات الدعم السريع، ما أدى إلى اندلاع حريق داخل المحطة وإصابة أحد حراسها.

وقالت شبكة أطباء السودان إن وقوع اشتباكات داخل منطقة مكتظة بالسكان يمثل انتهاكًا خطيرًا لحقوق المدنيين في الحياة والأمان، خصوصًا مع وجود النساء والأطفال وكبار السن داخل السوق أثناء اندلاع المواجهات.

وحملت الشبكة السلطات الأمنية مسؤولية التقصير في ضبط انتشار السلاح، معتبرة أن انتشار الأسلحة تحول إلى تهديد يومي لسلامة المواطنين.

وفيما يتعلق باستهداف محطة الكهرباء، أكدت شبكة أطباء السودان أن الهجوم الذي تزامن مع أحداث السوق لا يبدو حادثًا منفصلًا، بل يأتي ضمن سلسلة من الاستهدافات التي تهدف إلى تعطيل الخدمات الأساسية وإرباك حياة السكان، محذرة من تداعيات إنسانية وخدمية خطيرة في حال استمرار الوضع دون تدخل عاجل.

ودعت الشبكة السلطات المختصة إلى فتح تحقيق فوري وشفاف في ملابسات الاشتباكات، ومحاسبة المتورطين، إلى جانب تعزيز الوجود الأمني داخل الأسواق والمناطق السكنية لمنع تجدد المواجهات.

كما ناشدت وزارة الصحة توفير الرعاية الطبية العاجلة للمصابين، وضمان استمرار وصول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المستشفيات، إضافة إلى تقديم دعم نفسي وإنساني لأسر الضحايا الذين فقدوا معيلهم نتيجة الأحداث.

من جهتها، أكدت لجنة أمن محلية الدبة أن استهداف محطة الكهرباء لن يثنيها عن مواصلة الدفاع عن المنطقة، متوعدة بملاحقة قوات الدعم السريع، التي وصفتها بالمليشيات، حتى القضاء عليها.

وفي تطور سياسي وقانوني، جدد السودان التزامه الكامل بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، داعيًا مجلس الأمن الدولي إلى تسريع الإجراءات القانونية وإصدار أوامر قبض بحق المتهمين بارتكاب جرائم في إقليم دارفور.

وحذرت الخرطوم من أن تأخر العدالة يقوض الثقة في المؤسسات الدولية ويشجع على الإفلات من العقاب.

ونقلت وكالة السودان للأنباء “سونا” عن الوزير المفوض عمار محمد محمود قوله، خلال بيان السودان أمام مجلس الأمن بشأن التقرير نصف السنوي للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية حول دارفور، إن الخرطوم تؤكد التزامها بمبادئ العدالة والمساءلة، خصوصًا فيما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية.

وأكد عمار محمد محمود أن تحقيق العدالة يمثل ركيزة أساسية لتحقيق السلام الدائم والمستدام، مشيرًا إلى أن الحكومة السودانية تواصل جهودها لتحقيق العدالة في دارفور انطلاقًا من قناعة بأن السلام والعدالة مساران مترابطان لا يمكن الفصل بينهما.

وأوضح البيان السوداني أن السلطات تعمل على دعم مسار المساءلة بشأن الانتهاكات المرتكبة في دارفور، مع التأكيد على أهمية استمرار التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية للوصول إلى نتائج قانونية بشأن القضايا المطروحة.

وأشار السودان، وفقًا لما نقلته “سونا”، إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات وصفها بالجسيمة وجرائم بحق المدنيين في دارفور ومناطق أخرى، تضمنت القتل على أسس عرقية واستهداف المدنيين والمنشآت والبنى التحتية.

وتطرق البيان إلى أحداث شهدتها مناطق من بينها الجنينة والفاشر، إضافة إلى محاولات تكرار هذه الأحداث في الأبيض، مطالبًا المجتمع الدولي باتخاذ خطوات أكثر سرعة تجاه المتهمين بارتكاب تلك الجرائم.

وطالب السودان المحكمة الجنائية الدولية بالإسراع في استكمال الإجراءات القانونية، مؤكدًا أن أي تأخير غير مبرر في هذا المسار قد يرسل إشارات تشجع مرتكبي الجرائم على الإفلات من المحاسبة.

وفي السياق الدولي، دعا وزراء خارجية مجموعة السبع ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، الأربعاء، قوات الدعم السريع والجماعات المسلحة المتحالفة معها إلى وقف جميع الأعمال التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من الفظائع أو تعرض المدنيين للخطر في مدينة الأبيض السودانية.

وطالب المسؤولون الدوليون جميع أطراف النزاع، بما فيها الجيش السوداني، بوقف الأعمال القتالية، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، والانخراط في محادثات بنية حسنة، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز.

وفي بيان مشترك، أعرب وزراء خارجية مجموعة السبع ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي عن دعمهم لجهود الأمم المتحدة الرامية إلى خفض التصعيد، كما دعوا مجلس الأمن الدولي إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على إقليم دارفور ليشمل السودان بأكمله.

كما طالب البيان الجهات الخارجية بوقف تقديم الدعم العسكري والمالي إلى طرفي النزاع، مؤكدًا الالتزام بتعزيز المساءلة عن الانتهاكات، ودعم وحدة السودان وتطلعات شعبه الديمقراطية.

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب السودانية لأكثر من ثلاثة أعوام، وسط تداعيات إنسانية وصحية واسعة على المدنيين، مع خروج مستشفيات عن الخدمة، وتعرض عاملين في القطاع الصحي للقتل والاعتقال والتهديد، إضافة إلى صعوبات كبيرة في الحصول على العلاج والغذاء والدواء.

وأكدت الدكتورة نازك أبو زيد، عضو منظمة أطباء السودان لحقوق الإنسان، أن المنظمة تواصل توثيق الانتهاكات التي تطال العاملين في القطاع الصحي والمدنيين خلال الحرب، وإرسالها إلى المنظمات الحقوقية والطبية الدولية والأممية، مشيرة إلى أن هذه التقارير لم تلقَ استجابة من طرفي القتال داخل السودان.

وقالت أبو زيد، في تصريحات لبرنامج “لقاء سبوتنيك” عبر إذاعة “سبوتنيك”، إن المدنيين في السودان “يلاقون الموت من السماء ومن الأرض”، نتيجة القصف المستمر وانهيار المنظومة الصحية وتدمير البنية التحتية.

وأضافت أن شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي تعرضت للتدمير، ما أدى إلى تلوث البيئة وانتشار الأوبئة، التي وصفتها بأنها أصبحت “القاتل الأكبر” للسكان.

وأوضحت أبو زيد أن مناطق القتال الرئيسية تتركز حاليًا في ولايات كردفان ودارفور وجنوب النيل الأزرق، محذرة من تكرار سيناريو مدينة الفاشر في مدينة الأبيض، التي قالت إنها تخضع لحصار منذ نحو 18 شهرًا، مع استمرار منع وصول الإمدادات والدواء والبضائع، وتعرضها لقصف متكرر بالطائرات المسيّرة.

اقترح تصحيحاً