تركز السياسة الخارجية الأمريكية في ليبيا حالياً على إنجاح “الخطة A” التي تمثل مسار التسوية الشاملة لتوحيد السلطة التنفيذية، والمستندة إلى صيغة “اتفاق 4+4” بمواكبة مباشرة من مبادرة مسعد بولس لتشكيل حكومة موحدة تنهي الانقسام المؤسسي، والمزمع تقديمها واعتمادها والتصويت عليها في مجلس الأمن الدولي لتوحيد مؤسسات الدولة بمشاركة جميع أطراف النزاع، والتوجه نحو انتخابات تشريعية ورئاسية تنهي المراحل الانتقالية. إلا أن إمكانية تعثر هذا المسار نتيجة الإخلال بالتعهدات أو رفض تقديم التنازلات تدفع واشنطن إلى تجهيز بدائل استراتيجية أكثر مرونة.
ففي حال فشل الخطة A وتعثر مبادرة بولس وتبدد رهانات التوافق الشامل، تتجه واشنطن نحو تحول استراتيجي مرن يقوم على الانتقال من نهج إنقاذ الدولة وتوحيدها إلى مسار أكثر واقعية يستهدف إدارة الانقسام القائم وحماية المصالح الاستراتيجية العليا، حيث ينطلق هذا التحول من تقييم براغماتي يدرك صعوبة فرض تسوية سياسية بالقوة في ظل انسداد الأفق المحلي.
يقوم سيناريو “الخطة B” البديل على عزل الملف الاقتصادي وبخاصة شريان الطاقة عن الصراعات السياسية والميدانية، حيث تركز الرؤية الأمريكية على ضمان استمرار تدفق إنتاج النفط وتصديره بانتظام وتوفير بيئة آمنة للاستثمارات الأجنبية، بالتوازي مع حيادية وحماية المؤسسات السيادية الرئيسية وعلى رأسها المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، باعتبارهما الركيزة الأساسية لمنع الانهيار الاقتصادي الكامل وحفظ الحد الأدنى من الاستقرار المالي للبلاد.
ينتج عن هذا التوجه ترسيخ ما يمكن وصفه بالتقسيم الواقعي غير المعلن؛ إذ تُحافظ ليبيا على وجودها كدولة واحدة ذات سيادة معترف بها رسمياً في الأمم المتحدة والمحافل الدولية، في حين يتكرس على الأرض نموذج هجين يضم سلطتين حكومتين ومؤسسات أمنية وعسكرية منفصلة ومستقلة في الشرق والغرب، حيث يتم التعامل مع مراكز النفوذ القائمة كأمر واقع دون الحاجة إلى إعادة هيكلتها أو دمجها بالقوة.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة الميزانية الموحدة كاختبار أخير لمساعي التقارب المالي والمؤسسي، إذ شكلت هذه الخطة المالية محاولة متقدمة لربط المصالح الاقتصادية لأطراف الصراع بأطر رسمية واحدة. غير أن أي انهيار مستقبلي لهذا الترتيب المالي سيعني العودة إلى المربع الأول للصراع المباشر على توزيع الثروة والموارد، مما يُسرّع بالانتقال الكامل نحو إدارة الانقسام الهيكلي.
يتطابق هذا النهج الأمريكي مع إعادة ترتيب الأولويات الدولية والأوروبية في منطقة حوض المتوسط، حيث يميل الشركاء الغربيون بوضوح نحو تقديم أولوية الاستقرار الأمني، وضبط الحدود البرية والبحرية، وكبح موجات الهجرة غير الشرعية، وتأمين إمدادات الطاقة، على حساب التعجل في حسم الملفات السياسية المعقدة كالتداول السلمي للسلطة أو إنجاز الاستحقاقات الديمقراطية والتأسيسية.
كما تفرض معادلات التواجد الجيوسياسي استمرار الحضور والتنسيق الأمريكي المباشر بغض النظر عن مدى تقدم مشروع التوحيد السياسي، حيث تهدف واشنطن من خلال هذا التواجد الاستراتيجي إلى منع تمدد النفوذ الروسي وحفظ التوازنات الأمنية الإقليمية بالتعاون مع الفاعلين في المنطقة، مما يجعل البقاء الأمريكي ضرورة أمنية مستقلة عن نجاح المسار السياسي أو فشله.
وعلى الصعيد السياسي الميداني، يؤدي هذا المسار إلى إعادة تأطير العملية الانتخابية وتجريدها من كونها حلاً جذرياً نهائياً للأزمة، لتتحول إلى مجرد أداة أمنية وسياسية لإدارة الوقت وتدوير المراحل الانتقالية المتعاقبة وتجنب الفراغ السلطوي، دون إحداث تغيير حقيقي في الهيكل التنفيذي أو توازن القوى الميداني.
تكمن الكارثة الحقيقية لهذا السيناريو في خطورته على الداخل الليبي، حيث يحقق المجتمع الدولي تكيفاً مستقراً لحماية مصالحه الحيوية والأمنية والاستغناء عن فرض التوحيد بالقوة، مما يترك المواطن الليبي مواجهاً بمفرده كلفة التقسيم الواقعي، وتراجع الخدمات العامة، واستمرار الضغوط الاقتصادية، وتآكل القدرة الشرائية دون أفق قريب لبناء دولة مؤسسات جادة وموحدة.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.




