دخل النزاع المسلح في السودان عامه الرابع بعد أكثر من ألف يوم من القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، محولاً البلاد إلى أزمة وطنية شاملة تهدد الكيان السوداني واستقرار المنطقة.
وانطلقت الحرب في 15 أبريل 2023 بالعاصمة الخرطوم، حيث شملت المعارك محيط القصر الرئاسي والمطار والمعسكرات العسكرية، قبل أن تمتد إلى الأحياء السكنية، ما دفع آلاف المدنيين إلى النزوح خلال أيام.
ومع توسع النزاع إلى دارفور وكردفان والجزيرة، تعطلت الزراعة والتجارة، وواجه السكان المدنيون النهب، التجنيد القسري، وانعدام الخدمات الأساسية.
وأكدت الأمم المتحدة ومنظمات دولية أن المدنيين هم الخاسر الأكبر، حيث دمرت الحرب المستشفيات والمدارس، وتفاقم العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، بينما أُجبر الأطفال على العمل القسري أو الانضمام للجماعات المسلحة. وحذرت الأمم المتحدة من أن الوفيات غير المباشرة الناتجة عن الجوع والأمراض قد تفوق عدد القتلى في المعارك.
تشير الأرقام إلى أن 33 إلى 34 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بينما بلغ عدد النازحين الداخليين نحو 12 إلى 14 مليون شخص، وتجاوز اللاجئون في دول الجوار حاجز المليوني نسمة.
ويعاني أكثر من 20 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما توقفت نحو 70% من المرافق الصحية جزئيًا أو كليًا عن تقديم الخدمات.
على الصعيد الدبلوماسي، فشلت جميع محاولات وقف إطلاق النار، سواء عبر وساطات إقليمية مثل السعودية ومصر أو منظمات دولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، إذ سرعان ما انهارت أي هدن بسبب غياب آليات تنفيذ فعالة، واستمرار الأطراف العسكرية في تعزيز مواقعها قبل أي تسوية سياسية.
وبعد ألف يوم من الحرب، تفتت الدولة السودانية، وتوزعت السلطة بين ميليشيات محلية وشبكات نفوذ غير رسمية، ما يجعل إعادة الإعمار والمصالحة المستقبلية أكثر صعوبة حتى في حال توقف القتال.
وتشير التقديرات إلى أن الحرب لم تمنح أي طرف نصراً حاسماً، لكنها ألقت بثقلها الأكبر على المدنيين، الذين دفعوا كلفة باهظة من نزوح وجوع ووفيات، في أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم اليوم.
تحذيرات برنامج الأغذية العالمي
حذر برنامج الأغذية العالمي من نفاد المساعدات الغذائية في السودان خلال شهرين إذا لم يتم توفير تمويل إضافي، في وقت يعاني فيه ملايين السكان الجوع الشديد بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب.
وأوضح البرنامج أن الحصص الغذائية تم تقليصها إلى الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة، مؤكدًا أن مخزون الغذاء سينفد بالكامل بحلول نهاية مارس 2026، مشيرًا إلى حاجة عاجلة تبلغ 700 مليون دولار أمريكي لدعم أنشطته في البلاد حتى يونيو المقبل.
ويعيش أكثر من 21 مليون شخص في السودان حالة جوع شديد، فيما يحتاج أكثر من 33 مليون شخص، نصفهم أطفال، إلى مساعدات عاجلة خلال 2026، وفق تقديرات الأمم المتحدة ومنظمة اليونيسف.
الوضع الإنساني في دارفور والمدن الأخرى
في دارفور، تفاقمت الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير، مع لجوء المدنيين إلى تناول جلود الحيوانات وقشور الفول السوداني بسبب نقص الغذاء، فيما دخلت أول قافلة مساعدات أمريكية إلى مدينة الفاشر منذ بدء حصار قوات الدعم السريع قبل أكثر من 18 شهرًا، شملت 1.3 طن متري من المواد الأساسية.
وحذرت المنظمات الإنسانية من أن استمرار القتال وانعدام الأمن يعيقان وصول المساعدات الضرورية إلى السكان، الذين يواجهون خطر المجاعة بشكل متزايد.
وأكد المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن العديد من النازحين يفتقرون إلى مأوى مناسب، فيما تواجه النساء قيودًا في الوصول إلى خدمات الدعم، داعيًا إلى جهود شاملة من السلطات السودانية والمجتمع الدولي لضمان وصول المساعدات الحيوية.
هذا وتعتبر السودان منذ عام 2023 واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث أدى النزاع بين الجيش وميليشيات الدعم السريع إلى تدمير البنية التحتية، تعطيل الخدمات الأساسية، وارتفاع أعداد النازحين داخليًا وخارجيًا بشكل غير مسبوق.
وتعمل المنظمات الدولية على تقديم المساعدات الغذائية والصحية، إلا أن الصعوبات الأمنية وانقطاع الاتصالات يعرقلان توصيل الدعم إلى المدنيين الأكثر ضعفًا، ما يرفع مخاطر المجاعة ويزيد من هشاشة الوضع الإنساني.
مقتل قيادي سوداني متطرف يكشف نفوذ التيار المتشدد داخل الجيش والأجهزة الأمنية
سلّط مقتل القيادي السوداني المتطرف علي ديدان، عصر الخميس، الضوء على حجم نفوذ “التيار المتشدد” داخل المؤسسة العسكرية والأمنية في السودان.
وأُعلن عن مقتله في مواجهات مع قوات الدعم السريع بمنطقة هبيلا في ولاية جنوب كردفان. ويشغل ديدان منصب “أمير المجاهدين” وقائد قوات الجبال الشرقية في كردفان، ويُعد من أبرز القيادات الميدانية التي جمعت بين العمل المتطرف والنفوذ السياسي.
ولا تنفصل سيرة ديدان عن منظومة الحكم السابقة، إذ تولى سابقًا منصب محافظ محلية تلودي خلال فترة النظام السابق، قبل أن يتحول إلى أحد الأعمدة التنظيمية للكتائب المتطرفة المسلحة التي تقاتل اليوم إلى جانب الجيش.
وأكدت مصادر سياسية وعسكرية أن ديدان كان من المؤسسين الأوائل للكتائب المتطرفة، أبرزها كتيبة البراء بن مالك وكتيبة البرق الخاطف، وكان المشرف المباشر على تشغيل الطائرات المسيّرة في ولايات كردفان، ما يجعله المدير الفعلي لوحدة الهجمات الجوية، ويجعل مقتله ضربة ثقيلة للبنية العسكرية للمتطرفين.
وكشفت بيانات النعي حجم التداخل بين المؤسسة العسكرية والتيار المتشدد، إذ نعت الحركة الإسلامية السودانية القتيل ببيان صادر عن القيادي أحمد هارون، فيما أصدرت كتيبة البرق الخاطف بيان نعي يصدّرته تسمية القوات المسلحة السودانية، في دلالة على أن هذه الكتائب لا تعمل على هامش الجيش، بل من داخله وتحت مظلته.
وتعد الكتائب المتطرفة، بما فيها البرق الخاطف والبراء بن مالك والفرقان والكتيبة الاستراتيجية وقوات العمل الخاص، العمود الفقري للتشكيلات المسلحة التابعة للحركة الإسلامية، والتي تخوض القتال جنبًا إلى جنب مع الجيش، لا كقوى مساندة، بل كجزء من منظومته القتالية.
كما نعت قوات العمل الخاص القتيل واصفة إياه بـ”أمير المجاهدين” داخل جهاز المخابرات العامة، ما يعزز الشكوك حول عمق اختراق المتشددين للأجهزة الأمنية.
ويرى محللون أن مقتل ديدان كشف طبيعة الحرب في السودان، بوصفها حرب نفوذ يخوضها التيار الإسلامي عبر مؤسسات الدولة، في تناقض مباشر مع نفي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان المتكرر لوجود أي سيطرة للمتشددين على الجيش.
وقال الناشط السياسي محمد حسين النور: “العلاقة بين المتشددين والجيش وجهاز المخابرات والشرطة علاقة هيمنة، لا شراكة، وهم من يملكون القرار الحقيقي داخل هذه المؤسسات. مقتل متطرف بهذا الوزن جعل هذه الحقيقة أكثر وضوحًا”.






اترك تعليقاً