في مشهد اقتصادي تتداخل فيه السياسة بالمال، تعيش ليبيا حالة من “الهدوء الحذر” في سوق النقد الأجنبي، هدوء يراه خبراء مؤشراً غير مكتمل على الاستقرار، بقدر ما يعكس إعادة توزيع مؤقتة للضغوط أكثر من كونه انفراجاً فعلياً للأزمة.
وقال الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي إن تراجع الحديث الإعلامي عن الدولار والإنفاق والتضخم خلال الأيام الأخيرة لا يعني بأي حال انتهاء الأزمة الاقتصادية، بل يرتبط بتحول الاهتمام نحو ملفات سياسية وأمنية أخرى، أبرزها ترتيبات الحل السياسي وأزمة الوقود، ما جعل الملف الاقتصادي يتراجع في واجهة النقاش العام.
وأوضح الشحاتي أن سعر صرف الدولار في السوق الموازية سجل الأسبوع الماضي ارتفاعاً طفيفاً، حيث بلغ 7.92 دينار مقابل 7.88 دينار في أيام سابقة، وهو فارق بسيط لكنه يعكس استمرار حالة التذبذب وعدم الوصول إلى استقرار فعلي في سوق الصرف.
وأضاف لصحيفة الوسط، أن هذا الهدوء النسبي قد يكون مرتبطاً أيضاً بتأخر مصرف ليبيا المركزي في نشر بيانه الشهري الخاص بالإيرادات والإنفاق، رغم صدور بيانات المؤسسة الوطنية للنفط خلال الفترة نفسها، وهو ما يترك فراغاً معلوماتياً ينعكس على سلوك السوق وتوقعات المتعاملين.
وأشار إلى أن المصرف المركزي يبدو في وضع أكثر ارتياحاً حالياً نتيجة ارتفاع أسعار النفط بنسبة 40% خلال شهر مارس، الأمر الذي ساعد على تعزيز تدفقات النقد الأجنبي وتغطية جزء كبير من تكلفة استيراد المحروقات التي بلغت نحو 800 مليون دولار، ما خفف الضغط على الاحتياطات النقدية.
هذا التحسن في الإيرادات النفطية انعكس على السوق بشكل مباشر، إذ أسهم في تهدئة المضاربات في سوق العملات وتقليل حدة الطلب على الدولار، لكنه، بحسب الشحاتي، يظل تهدئة مؤقتة مرتبطة بعامل خارجي متقلب هو أسعار النفط.
وحذر من أن الإفصاح المالي المتأخر أو غير المنتظم من قبل الجهات الرسمية، خصوصاً المصرف المركزي، قد يخلق حالة من الغموض، ما يتيح للمضاربين فرصة استغلال الفجوات المعلوماتية لإعادة إشعال سوق الصرف مجدداً.
وفي ملف الموازنة العامة، أوضح الشحاتي أن ما يتم تداوله حالياً لا يتجاوز كونه مسودة أو ترتيبات مالية غير مكتملة الاعتماد الرسمي، ما يثير تساؤلات جدية حول آليات الإنفاق العام ومدى قانونيته واستدامته في ظل الانقسام المؤسسي القائم.
وأكد أن الاقتصاد الليبي لا يزال رهينة مباشرة لتقلبات أسعار النفط، حيث يشكل المصدر الرئيسي للدخل، ما يجعل أي هبوط في الأسعار أو تراجع في الإنتاج كفيلاً بإعادة الضغوط المالية بسرعة إلى الواجهة، خاصة في ظل غياب تنويع حقيقي للإيرادات.
وفي المقابل، دخلت المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة هانا تيتيه على خط تقييم الوضع الاقتصادي، حيث قالت أمام مجلس الأمن إن الاقتصاد الليبي يشهد تدهوراً متصاعداً، مع اتساع رقعة الفقر وانخفاض قيمة العملة المحلية، في ظل استمرار الإنفاق غير المنضبط.
وأضافت أن غياب الانضباط المالي يزيد من حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، داعية إلى ضرورة إدارة أكثر كفاءة وشفافية للعائدات النفطية، بما يضمن توجيهها بشكل عادل وفعّال.
كما أشارت إلى أهمية تعزيز الشفافية في تخصيص الموارد، مشيدة بالاتفاق المتعلق بالموازنة الموحدة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، واعتبرته خطوة إيجابية، لكنها غير كافية ما لم تُترجم إلى تنفيذ فعلي وانضباط مالي واضح.
وبين تحسن مؤقت في الإيرادات النفطية، وتذبذب في سوق الصرف، وتأخر في الإفصاح المالي، يبدو الاقتصاد الليبي عالقاً في منطقة رمادية، لا هي استقرار حقيقي ولا هي أزمة منفجرة بالكامل، بل حالة انتظار مفتوحة على احتمالات متعددة، يتوقف اتجاهها على أسعار النفط، وشفافية البيانات، واستقرار القرار المالي في البلاد.





