الصلابي يُجيب.. تساؤلات بشأن حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة

د. علي الصلابي

فقيه، وكاتب، ومؤرخ، ومحلل سياسي ليبي.

حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً).. هل يمنع من تولي المرأة المناصب السيادية في الدول؟
– ما أسباب وسياقات وردود الحديث النبوي الشريف؟

وردت تساؤلات في الصورة المرفقة تتهكم على ما جاء في الخطاب القرآني والحديث النبوي حول أهلية المرأة لتولي الحكم ومساهمتها ككائن اجتماعي له دوره وكيانه وأداؤه الذي ينافس الرجال ويتفوق عليهم أحياناً، فقد وضع أحدهم صورة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وكتبوا تحتها ب- استهزاء وتهكم – الحديث النبوي الشريف: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).

وقد وضع عدة احتمالات يُكذب فيها الحديث الذي رواه البخاري وغيره، ويخير القارئ بين صدقيته واختيارات الشعب الألماني الذين أعادوا انتخاب ميركل عدة دورات، فهؤلاء المتهكمون عدّوا ألمانيا دولة فاشلة ومقام ميركل هو مقام لا يبلغه إلا الرجال فقط.

قد تكلمنا في هذه المسألة الجدلية؛ أيّ دور المرأة في تولي المناصب السيادية في كتابنا “البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة” (في المبحث الثامن، ص 217) وقد رددنا على من يقول بمنع المرأة من دخول البرلمان والانتخابات.

وأما الحديث فنصه: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:) لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ. قَال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً). رواه البخاري (4425)، ورواه النسائي في “السنن” (8/227) وبوب عليه النسائي بقوله: “النهي عن استعمال النساء في الحكم ” انتهى.

فالحديث النبوي الشريف أعلاه ورد في مناسبة تاريخية مُعينة أبلغ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بأن الفرس كانوا يعيشون حالة من الانهيار السياسي والانحلال الأخلاقي تحكمهم ملكية استبدادية كسروية فاسدة وتسود بلادهم صراعات على السلطة، بلغت بهم حد الاقتتال، وقد أسندوا أمر قيادتهم إلى ابنة كسرى، وذلك تعلقاً من الفرس بأوهام وثنية سياسية لا علاقة لها بشورى ولا رأي جماعي، فكان الحديث وصفاً لحالة الفرس المتردية وقراءة بصيرة في سنن قيام الدول وانحلالها، فهذا إخبار عن حال وليس تشريعاً عاماً، وهذا ما يدل عليه فقه الحديث الشريف.

وسبب فهم وردود الحديث أمر مهم في فهم النص ولا يُؤخذ عموم النص قاعدة مُسَلمة لأنه لو أخذ على عمومه لعارض ظاهر القرآن، فقد قص القرآن قصة امرأة قادت قومها أفضل ما تكون القيادة وحَكمتهم أفضل ما يكون الحُكم. وتصرفت بحكمةٍ ورشد أحسن ما يكون التصرف ونجوا بحكمتها وحصافة رأيها من التورط في معركة خاسرة يهلك بها الرجال وتذهب الأموال ولا يجنون من ورائها شيئاً، وكان أساس حكمها التنظيم والشورى.

تلك المرأة هي بلقيس ملكة سبأ التي ذكرها الله تعالى في سورة النمل: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ (34) } [النمل 32]. ومع هذا فُوض إليها الأمر من قبل الرجال في قوله تعالى: { قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ } [النمل 33].

إن الله تعالى ذكر قصة ملكة سبأ في سورة النمل مع النبي سليمانـ عليه السلام ـ وانتهى بها المطاف إلى أن قالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل 44]. وهي بذلك قادت قومها إلى خيري الدنيا والآخرة، كما يؤكد صرف الحديث عن العموم.

إذن، فالواقع الذي نعيشه في عالم اليوم هو أن كثير من النساء هُنَّ لأوطانهن خير من كثير من الرجال، بعض هؤلاء النساء لهن أرجح في ميزان الكفاية والمقدرة السياسية والإدارية من كثير حكام العرب والمسلمين وبني الإنسان في وقتنا الحاضر.

وإن المجتمعات المعاصرة في ظل النظم الحديثة، حين تتولى المرأة منصباً عاماً كالوزارة أو الإدارة أو النيابة أو نحو ذلك، فلا يعني ذلك أنه ولاها أمر الأمة بالفعل وقلدها مسؤوليتها كاملة. فالواقع المشاهد أن المسؤولية جماعية والولاية مشتركة تقوم بأعبائها مجموعة من المؤسسات والأجهزة، والمرأة إنما تحمل جزءاً من المسؤولية مع من يحملها، لهذا نعلم أن حكم المستشارة الألمانية ميركل أو رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أو غيرهن من النساء في العالم عند التحقيق والتأمل ليس حكم امرأة في شعب بل حكم مؤسسات دولة وتنظيم محكم وإن كانت في رأس الهرم امرأة، وإن الذي يحكم في هذه الدولة هي المؤسسات المتكاملة مثل مجلس الوزراء والبرلمان وليس المستشارة الألمانية التي تأمر ولا يعصى لها أمر ولا يرد لها كلام، فهي إنما تترأس حزباً حاكماً تعارضه أحزاب أخرى، وقد تشارك في انتخابات قادمة تسقط فيها بحدارة كما حدث لأنديرا غاندي في الهند. فالمرشحة أياً كانت إذا عارضها الأغلبية يوماً ما، فرأيها كرأي أي إنسان في الشارع لا يؤثر كلامه وحده على القرار العام للسلطة والمجتمع.

اترك تعليق

  اشتراك  
نبّهني عن