القويري: الالتزام بتوصيات اللجنة الاستشارية أسهل طريق لحل الأزمة الليبية

أكدت الأكاديمية الليبية وعضو لجنة التنسيق الوطني، الدكتورة كريمة القويري، في تعليق لها حول الاحتجاجات المتصاعدة في العاصمة طرابلس جراء انقطاع التيار الكهربائي، أن هذه التحركات «لم ترتقِ بعد إلى مستوى ما يُعرف بالعصيان المدني»، باعتباره أحد الأساليب السلمية للاحتجاج السياسي.

وأوضحت القويري أن العصيان المدني يتطلب التعاطي معه من زوايا سياسية، وقانونية، واجتماعية معقدة؛ مشيرة إلى أن المطالبة بإسقاط الحكومة عبر هذا الخيار—في ظل غياب مؤسسات تشريعية شرعية وعدم وجود قيادة موحدة—تعد أمراً في غاية الخطورة، لا سيما مع وجود حكومتين في البلاد، وهو ما قد يضع الدولة الليبية أمام سيناريوهات حرجّة.

شروط العصيان المدني لتفادي المساءلة القانونية

وبيّنت الدكتورة القويري أن للعصيان المدني شروطاً أساسية يجب توافرها حتى لا يجد المشاركون فيه أنفسهم تحت طائلة القانون أو في قفص الاتهام، وأبرزها:

  • السلمية التامة: التخلي عن أي استخدام للعنف المادي أو اللفظي.
  • القبول بالعواقب القانونية: تحمل التبعات التي قد تنجم عن المشاركة.
  • تجرد الغايات: ألا تهدف المشاركة إلى تحقيق مكاسب خاصة على حساب المصلحة الوطنية العليا.

أسباب عجز “المناداة بالعصيان المدني” عن تحقيق أهدافه

وفي تحليلها للمشهد الذي شهدته العاصمة ليلة البارحة، شددت القويري على أن المناداة بالعصيان المدني لن تحقق أهدافها المرجوة لعدة أسباب جوهرية:

أولاً: إشكالية غياب المجلس التشريعي الشرعي (الفراغ الدستوري)

في النظم الديمقراطية المستقرة، يجري تغيير الحكومات عبر البرلمان (سحب الثقة) أو صندوق الانتخابات. أما في الحالة الليبية، وفي ظل غياب مجلس تشريعي شرعي، فإن البلاد تواجه:

  1. فقدان الآلية القانونية للانتقال: غياب أي جهة رسمية تتسلم السلطة أو تراقب تشكيل حكومة جديدة، مما يجعل “الشرعية الثورية” أو سياسة “الأمر الواقع” هما البديل عن “الشرعية الدستورية”، أو قد يؤدي ذلك إلى استيلاء الجيش على السلطة والعودة بالبلاد إلى المربع الأول.
  2. أزمة التكليف: التساؤل المفتوح حول من سيكلف رئيس وزراء جديداً ومن سيراقب أداءه؟ وهو فراغ قد يزج بالبلاد في حالة من التخبط القانوني لسنوات.

ثانياً: غياب القيادة عن الحراك الموجود

استعرضت القويري مدرستين في النظر إلى الحركات الاحتجاجية التي تفتقر لقيادة واضحة:

  • الميزة (من وجهة نظر المحتجين): تجعل الحراك عصياً على الاختراق أو التدجين، وتمنع السلطة من استهداف رؤوس بعينها أو المساومة معهم، وهو أمر يصعب تحقيقه في ليبيا بسبب القبلية والتعصب.
  • المخاطر على مستوى الدولة:
    • غياب المفاوض: عدم وجود طرف يمثل الشارع للجلوس على طاولة المفاوضات للوصول إلى حلول وسط.
    • تعدد الأجندات: احتمال تحول المطالب العامة إلى صراعات فئوية ومناطقية نتيجة غياب الرؤية الموحدة.
    • خطر التسلل: سهولة اختراق الحراك من قبل جماعات تسعى لإشاعة الفوضى أو تنفيذ أجندات مغرضة، سواء كانت داخلية أو خارجية.

ثالثاً: حالة البلاد في ظل العصيان المدني

وصفَت القويري العصيان المدني بـ “السلاح ذي الحدين”، مشيرة إلى تداعياته على الدولة كالتالي:

  1. الشلل الاقتصادي: توقف العمل في المؤسسات الحيوية يترتب عليه انهيار العملة، نقص السلع الأساسية، وتضرر الفئات الضعيفة قبل غيرها.
  2. تآكل هيبة الدولة: إن غياب الحكومة مع عدم وجود بديل جاهز قد يؤدي إلى انفلات أمني، حيث تضعف الأجهزة الأمنية أو تتردد في أداء مهامها.
  3. الفراغ الإداري: توقف الخدمات العامة (كالصحة، التعليم، والاتصالات) ينعكس مباشرة على حياة المواطن اليومية، وقد يحول التعاطف الشعبي مع الحراك إلى سخط عارم إذا طال الأمد.

السيناريوهات المتوقعة

وأشارت إلى أنه في حال نجاح العصيان في إسقاط الحكومة دون وجود مجلس تشريعي أو قيادة للحراك، فإن السيناريوهات المتوقعة تتلخص في:

  1. سيناريو المجلس العسكري: تدخل الجيش كـ”ضامن للاستقرار” لملء الفراغ، وهو ما قد يؤدي إلى فترة انتقالية طويلة أو حكم عسكري مباشر، كما قد يواجه بعض المشاركين في الاعتصام اتهامات بأنهم يعملون لتمكين العسكر من السيطرة على المنطقة الغربية.
  2. الاستمرار في عدم الاستقرار: دخول البلاد في حالة من عدم الاستقرار السياسي المستمر، مع تغييرات متتالية للحكومات دون إنجاز حقيقي، مما ينهك الدولة ومؤسساتها.
  3. المبادرة المدنية: قد يولد ضغط الشارع ظهور جبهة من القوى الوطنية المدنية تعمل على تشكيل مجلس انتقالي وإجراء انتخابات سريعة لإنتاج مجلس تشريعي.

واختتمت الدكتورة كريمة القويري تصريحها بقولها إنها تعتقد جازمة بأن المطالبة بالتغيير هي حق مشروع عند انسداد الأفق السياسي، ولكن الخطورة الحقيقية تكمن في “اليوم التالي” لسقوط الحكومة.

كما طالبت دز القويري من رئيسة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه، بضرورة الالتزام بالبند الرابع من توصيات اللجنة الاستشارية، مؤكدة أنه يمثل الطريق الأفضل والأسرع لحل الأزمة الليبية.

اقترح تصحيحاً