شهد القطاع المصرفي في ليبيا تحولا متسارعا نحو تبنّي التقنيات الحديثة، في سياق توجه استراتيجي يقوده مصرف ليبيا المركزي يهدف إلى تعزيز الشمول المالي، ورفع كفاءة الخدمات المصرفية، والحد من الاعتماد على النقد، من خلال ترسيخ ثقافة الدفع الإلكتروني وتطوير بنيته التحتية. وقد تجسد هذا التوجه في جملة من المنشورات والتعليمات التي أكدت ضرورة الانتقال إلى المعاملات الرقمية، بما ينسجم مع المعايير الدولية ويستجيب لمتطلبات الاقتصاد المعاصر.
ولم يقف هذا التحول عند حدود السياسات التنظيمية، بل وجد سنده في النصوص التشريعية، الواردة في قانون المصارف الليبي رقم (1) لسنة 2005 وتعديله، الذي أسس لقاعدة قانونية مهمة، لا سيما ما ورد في المادة (97) حيث أقرّ بخضوع المصارف لأحكام القانونين المدني والتجاري في حدود عدم تعارضها مع أحكامه، كما منح المستندات والتوقيعات الإلكترونية الحجية القانونية الكاملة في إثبات المعاملات المصرفية، واضعًا بذلك أساسًا متينًا للاعتداد القانوني بالوسائل الإلكترونية.
وفي إطار استكمال هذا البناء، أصدر المشرّع الليبي حزمة تشريعية حديثة تمثلت في قانون الجرائم الإلكترونية رقم (5) لسنة 2022 وقانون المعاملات الإلكترونية رقم (6) لسنة 2022، واللذين شكّلا نقلة نوعية في تنظيم البيئة الرقمية، من حيث تأمينها من الناحية القانونية، وتجريم الأفعال الماسة بها، وتنظيم المعاملات التي تتم عبر الوسائل الإلكترونية. وقد جاء قانون المعاملات الإلكترونية ليؤسس لشرعية التعامل الرقمي، ويضفي على الوثائق والتوقيعات الإلكترونية ذات الحجية المقررة لنظيراتها التقليدية الورقية، ويؤكد تعزيز الثقة في هذا النمط من التعامل.
غير أن هذا التطور التشريعي، على أهميته، لا يزال في حاجة إلى استكمال وتكامل، وفقا لما أوصت به اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، التي أكدت على ضرورة بناء منظومة تشريعية متكاملة تشمل:
- الاتصالات الالكترونية وحرية التعبير.
- المعاملات الالكترونية والتوقيع الالكتروني.
- التجارة الالكترونية وحماية المستهلك.
- معالجة البيانات الشخصية ذات الطابع الشخصي.
- الجرائم السيبرانية (الالكترونية)
- حقوق الملكية الفكرية في المجال المعلوماتي والسيبراني.
هذه التشريعات، في مجموعها، تشكّل الإطار الحاكم للاقتصاد الرقمي، ولا يستقيم بناؤه دون اكتمال حلقاته.
وفي هذا السياق، تبرز الجهود المؤسسية التي بُذلت لإعداد مسودات قوانين مكملة، التي عمل على صياغتها ومراجعتها مصرف ليبيا المركزي وعدد من الجهات الوطنية، وبمشاركة خبرات إقليمية، من بينها المصرف المركزي المصري، وبالتنسيق مع الإسكوا، عبر فريق عمل متخصص هدفه صياغة حزمة تشريعية متكاملة تستجيب لمتطلبات المرحلة وتواكب التطورات الدولية.
وعلى صعيد التطبيق العملي، يكتسب الفصل السادس من قانون المعاملات الإلكترونية رقم (6) لسنة 2022 أهمية خاصة، حيث يتناول تنظيم العمليات المصرفية التي تتم بوسائل إلكترونية، محددا الأطر القانونية التي تحكمها، ومكرّسا لمبدأ الاعتداد بها، بما يسهم في إضفاء المشروعية على الخدمات المصرفية الرقمية، ويعزز من ثقة المتعاملين بها، ويهيئ البيئة الملائمة لنموها واستدامتها، وتناول بتنظيم دقيق جملة من المسائل الجوهرية المرتبطة بالعمل المصرفي الإلكتروني، وفي مقدمتها إصدار أوامر الدفع والتحويل الإلكتروني للأموال، وتنظيم الأنظمة الإلكترونية ذات الصلة بها، وتحديد المسؤوليات القانونية لكل من العميل والمصرف أو المؤسسة المالية الناشئة عن تنفيذ تلك الأوامر. كما عالج المشرّع أحكام تعديل شروط التعاقد بين الزبون والمصرف، ونظّم إصدار البطاقات المصرفية، مبينًا نطاق مسؤولية كل من الجهة المصدرة وحامل البطاقة، فضلًا عن تناوله لأحكام النقود الإلكترونية والصك الإلكتروني، بما يؤسس لإطار قانوني متكامل يواكب تطور الخدمات المصرفية الرقمية.
ومع ذلك، يُلاحظ أن المشرّع – رغم ما وضع من قواعد مهمة – لم يتناول بصورة صريحة مسألة الشمول المالي الرقمي، بوصفها أحد المرتكزات الأساسية لنجاح التحول الرقمي في القطاع المصرفي، وذلك من خلال النص على التزامات واضحة تتعلق بتعزيز الوصول إلى الخدمات المصرفية الإلكترونية، ودعم البنية التحتية للاتصالات، بما يكفل تمكين الجميع من الاستفادة من هذه الخدمات، الأمر الذي يستدعي تدخلا تشريعيا لاحقا لاستدراك هذا النقص، وترسيخ مبادئ العدالة المالية والإدماج الرقمي، باعتبارهما ركيزة أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وتعزيز كفاءة النظام المالي.
وأيضاً جعل مكنة للمصارف العاملة في ليبيا التعامل بالشيكات الإلكترونية م (71) من قانون المعاملات الإلكترونية، دون ذكر الجهات المناط بها تنظيم هذا التعامل.
وختاما يمكن القول أن الانتقال والعمل بالمعاملات المصرفية الإلكترونية لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر، غير أن نجاح هذا التحول يظل رهينا بمدى تكامل الإطار التشريعي، ووضوح القواعد القانونية، وقدرة المؤسسات على تفعيلها بكفاءة، ووجود البنية التحتية من شبكات الاتصالات، ومن ثم، فإن استكمال المنظومة القانونية ذات الصلة، وتحديثها بصورة مستمرة، يعتبر حجر الزاوية في بناء اقتصاد رقمي آمن ومستقر، قادر على تحقيق التنمية وتعزيز الثقة في النظام المالي والمصرفي.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.




