انتخابات ليبيا

الهروب الكبير.. أسرى فلسطينيون ينتزعون حريتهم من سجن إسرائيلي

تمكن 6 أسرى فلسطينيين، الأسبوع الماضي، من الهروب من سجن جلبوع، شماليّ فلسطين المحتلة، عبر نفق حفروه.

وشكّل فرار 6 أسرى من سجن جلبوع “الأشد حراسة” صدمة واسعة وحرجًا بالغًا في المستويات الأمنية والسياسية والإعلامية الإسرائيلية، ومن ناحية أخرى كانت العملية أكثر إثارة وتشويقًا بالنسبة للفلسطينيين والعرب وغيرهم بعدما أعادت إلى أذهان العالم قصص وأساطير الهروب الكبرى التي وثقتها السينما العالمية.

وسلطت وسائل الإعلام العربية والعالمية، ” الضوء على الكيفية التي يمكن من خلالها إنجاز مثل هذه العملية الدقيقة والمعقدة، في ظل غياب أبسط الإمكانات، وذلك مع تصاعد التفاعلات والقراءات المختلفة؛ العسكرية والأمنية، لعملية هروب أسرى فلسطينيين من سجن إسرائيلي محكم الإغلاق والحراسة عبر نفق أرضي.

وبين الواقع والخيال، كرّست تلك الأفلام فكرة “قهر المستحيل” منذ عشرات السنين فيما يتعلق بحكايات الهروب من الأسْر والبحث عن الحرية، فمنها ما أُخذ عن قصص حقيقة ومنها ما كان من وحي خيال المؤلف وطبقّه غيره على أرض الواقع.

لكن أحد أبرز الأسرى الفارين مؤخرًا من سجن جلبوع الإسرائيلي، أضاف منهجًا أكاديميًا فريدًا للعملية بعد الكشف عن رسالته للماجستير بخصوص “المطاردة في التجربة الفلسطينية” والتي طبقها حرفيًا وعمليًا ونجح في انتزاع حريته وزملاءه عبر حفر “نفق الحرية” قاهرًا كل ما قيل عن السجن الأشد تحصينًا حتى من بنك إسرائيل المركزي ذاته، وهي فكرة قد تلهم صناع السينما والدراما العالمية.

وكشف الاحتلال الإسرائيلي فجر الاثنين 6 سبتمبر 2021، عن نجاح ستة أسرى فلسطينيين، معظمهم من أصحاب الأحكام العالية (مؤبدات)، في الفرار من سجن “جلبوع” الذي يوصف إسرائيليا بـأنه “شديد الحراسة”، ما شكل صدمة كبيرة لكافة المحافل الإسرائيلية، وعاصفة داخلية لا تسكن.

وأوضح وزير الأمن العام لدى الاحتلال، عومر بارليف، أن ما جرى في “جلبوع”، هو “حدث صعب وخطير ويجب ألا يحدث في إسرائيل”، وفق ما أورده موقع “واللا” العبري.

وأكد مصدر أمني إسرائيلي رفيع، أن هناك “سلسلة من الإخفاقات الخطيرة جدا”، متسائلا بصدمة: “كيف حفروا النفق تحت أنوف الحراس، في أحد أفضل السجون في إسرائيل؟”، وقال: “لا يمكنك حمل ملعقة صغيرة في الزنزانة، فكيف حفروا؟ وأين الرمال؟ وكيف أجروا مكالمات خلوية من السجن؟”.

ولفت المصدر، إلى أن “حفر نفق بهذا الطول والجودة (طوله 20- 25 مترا)، هي عملية طويلة تتطلب قدرا كبيرا من التنظيم، والذي يتضمن مخالفة للأنظمة وخرقا للعديد من القواعد في السجن”.

وعن الكيفية والطريقة التي يمكن أن تمكن أسرى داخل زنزانة في أحد السجون الإسرائيلية من حفر نفق للتحرر من الأسر، أكد الأسير المحرر عماد الدين أسعد الصفطاوي (55 عاما)، وهو أحد أبطال عملية “الهروب الكبير” من سجن غزة المركزي عام 1987، أن “الحاجة الشديدة تحفز كل القدرات والإمكانات داخل الإنسان والتي قد لا تكون مكتشفة، وتجعلها تعمل بأكبر فاعلية، لإيجاد حل لمشكلة ما”.

ولفت في تصريح لـموقع “عربي21″، إلى أن “الأسير يبدأ بالنظر في موارده والإمكانيات المتوفرة لديه، والتي من خلالها وبالقوة يعمل على تطويعها كي تخدمه في فكفكة التحدي الذي يعيشه”، منوها إلى أنه خلال فترة أسره، احتاج لفك “برغي مربع” قطرة نحو 5 ملم، ولا يوجد أي أداة، حيث قام ومن معه بتطويع صحن ملعقة متوفر لديهم، والنحت فيه مدة 4 أيام، لصناعة أداة (مفك) من أجل فك هذا البرغي.

وأوضح الصفطاوي الذي أعادت قوات الاحتلال اعتقاله عام 2000، وأفرجت عنه في 12 ديسمبر 2018، أن “الأسير دائم التفكير في الخلاص من السجن، وهو يحتاج لبذل جهد كبير لصناعة الأداة التي يريد العمل بها، وما تم، هو بأدوات بدائية ومجهود ذاتي”، مشددا على أهمية “الحفاظ على سرية العمل”.

وعن الأمور التي يجب أن يراعيها الأسير لضمان سيرة العملية ونجاحها لفك قيده، شدد على “أهمية عزل الغرفة (موقع العملية) ومنع وصول أي ساكن جديد له، وهذا ما نجح به الشباب في سجن “جلبوع”، وهو أمر مهم جدا”، منوها إلى أن “لدى الأسرى إمكانية المطالبة عبر ممثليهم، أن يكون الأسير فلان وفلان في هذه الغرفة، وهذا ترتيب داخلي للأمور الحياتية، وبشكل عام إدارة السجن توافق، وهي بإمكانها نقل من تريد من الأسرى إلى المكان الذي تريد”.

ومع بدء تفكير الأسير ومن معه في خوض عملية التحرر من الأسر عبر حفر نفق أرضي، نبه الأسير المحرر، إلى ضرورة أن “يتجهز الأسير لكل الإجراءات والعقوبات، التي يمكن أن تترتب – لا سمح الله – حال فشلت العملية، ومن بينها الاستشهاد أو العزل لفترة طويلة، وأيضا بحسب الظرف فإن الأسير قد يضطر لعمل ريجيم للتخفيف من وزنه ليتمكن من المرور عبر النفق”.

وشدد على أهمية “وضع خطة والحفاظ على السرية حتى عن أقرب الناس؛ وهو أمر غاية في الأهمية في كل مراحل العملية، وفي بعض الأحيان تتوفر الظروف ولكن تغيب الأدوات فتتأجل العملية”، موضحا أن “الأسير، يحتاج أحيانا إلى أن يقوم هو بتصنيع تلك الأدوات مما يتيسر له”.

ونوه الصفطاوي، إلى أهمية أن “يقوم الأسير خلال هذه الفترة بضبط سلوكه، كي لا يثير أي ريبة أمام السجان الإسرائيلي، مع التجهز كما ذكرنا سابقا للمغامرة والمخاطرة”.

وعن الأدوات المادية التي يمكن أن تتاح للأسير داخل غرفته، وتساعده في حفر مثل هذا النفق، ذكر أن المروحة المتوفرة داخل الغرف، بها عمود من حديد، يمكن استخدامه بعد تطويعه، كما أنه يمكن استخدام جسم الماتور كأداة طرق، ويمكن قص جزء من باب الغرفة، والحصول على حديدة مبسطة، أو يمكن أن توفر حديدة بطريقة ما، تمكن الأسير من عمل مجرفة أو إزميل منها”، مؤكدا أن نجاح الأسرى الستة في الخلاص من السجن عبر نفق أرض، هو “انتصار عسكري”.

من جانبه، قال الأسير المحرر تيسير البرديني، عضو المجلس الثوري لحركة “فتح”، ومفوض الشهداء والأسرى والجرحى بالهيئة القيادية العليا للحركة بقطاع غزة: “أنت لا تعلم كيف يمكن أن يحفر مثل هذا النفق من داخل السجن إلى خارجه؛ هي عملية معقدة جدا، وهي من العمليات الخطيرة والمعقدة أمنيا والتي تكلل أحيانا بالنجاح”.

وأوضح في حديثه لموقع “عربي21″، أنها “هي ذات معركة المناضل الفلسطيني مع الاحتلال، للحفاظ على الهوية الفلسطينية التي يسعى الاحتلال لطمسها. وكل الأسرى داخل السجون، هم أصحاب قضية يؤمنون بها ويدركون أنها هي التي ستقودنا إلى التحرير”.

ونوه البرديني، إلى أن “الاحتلال باعتقاله للمناضلين، يظن أن دورهم قد انتهى، لكن الأمر لدى الأسير مختلف، هناك رفض كبير لإلغاء دور الفدائي داخل السجن، لأجل ذلك يصمد الأسير، وطوال فترة اعتقاله يهتف للوطن، ويستمر في التعلم، ويضرب عن الطعام لفك اعتقاله الإداري”.

وأضاف: “الأسير يحفر نفقا بأدوات بسيطة من مثل الملعقة والشوكة والسكينة، ويبقى يحفر مدة سنة، كي يؤكد للمحتل أنه موجود، وأن حرب الإرادة مع الاحتلال لم تنته، فالقصة ببساطة، قصة انتماء هؤلاء الأسرى للشعب الفلسطيني ولقضيتهم”.

ولفت الأسير المحرر، إلى أن “استمرار هذه الأعمال (حفر الأنفاق)، هي الطلقات وهي طعنة الخنجر وضربة الصاروخ.. يستمر الأسير الفلسطيني عدة أشهر وربما سنوات في حفر نفق، ويخوض أكبر عملية تمويه، وفي النهاية ينتصر على السجان الإسرائيلي”.

وقال الأسير المحرر عبد الحكيم حنيني في مقابلة صحفية، وكان قد شارك في تجربة هروب من سجون الاحتلال عام 1998، مشابهة لما جرى في سجن جلبوع: “كان داخل القسم مغسلة صغيرة، وقد اكتشفنا أن خلفها يوجد حمام قديم مهجور كان مغلقا بواسطة باب حديدي، والمجاري فيه تتجه ليس إلى داخل السجن وإنما إلى الخارج”.

وأضاف: ”في السجون يجعل الاحتلال المجاري تسير إلى تحت أرض السجن نفسه، وليس إلى الخارج، لاكتشاف أي حالة تذويب تراب لأنها ستتجمع داخل المجاري”.

وتابع: ”اكتشافنا لهذا الحمام، اعتبرناه تسهيلا لنا وفرصة ذهبية لنا لتذويب التراب عبر هذا الحمام”.

وأكد أن التراب ليس مثل الرمل، لأن الرمل لا يسير كثيرا مع الماء ويتجمع، ولكن التراب يسير مع الماء لمسافة كبيرة، حيث تم اكتشاف التراب على بعد خمسة كيلومترات من السجن.

وقال: ”كمية التراب الذي قمنا بتذويبه وفقا لتقديرنا بلغت 17 طنا ونصف الطن، وقد جرى تذويبها من خلال المرحاض الذي اكتشفناه”.

وتابع: ”كان أحد الأسرى يخرج يوميا ببرميل أسود كبير يحمل ملابس الأسرى باتجاه المغسلة، وتقريبا نصف السطل كان فيه تراب الحفر من الأسفل، ومن الفوق الملابس”.

وأشار إلى أن عملية الهروب هذه شاركت فيها حركتا حماس وفتح وأشخاص من الدروز، حيث قام أحد الدروز من الجولان وكان حدادا بفتح باب الحمام المغلق بطريقة فنية، فأعطى المجال للأسرى للدخول إلى الحمام والخروج منه دون أن يتم اكتشاف أن الحمام تم فتحه، وقاموا بتذويب التراب عبر المرحاض.

أين ذهب الرمل الناتج عن حفر 25 مترا، شقه 6 فلسطينيين من معتقلهم إلى خارج الأسوار؟ 

هز هذا السؤال وسائل التواصل الاجتماعي وقبله خبراء وضباط ومحللي الأمن الإسرائيليين الذين رصدوا أخطر معتقل بالكاميرات والتنصت من كافة الزوايا، بذريعة أن معتقل جلبوع يقبع فيه أخطر الأسرى الفلسطينيين ويجب مراقبتهم ومضايقتهم ونقل سجانيهم كل 3 اشهر، حتى لا يقعوا فريسة اتفاق مع الأسرى تُسهل عمليه هروبهم أو تسهيل حياتهم داخل الزنازين، كما يتم نقل المعتقلين إلى غرف جديدة كل فترة لإحباط أي خطط قد تكون في بنات أفكارهم.

وفي ظل عدم وجود ذرة رمل على أرضية الزنازين ـو حتى في محيط الحفرة في نهاية النفق، فقد وضع المحللون والخبراء عدة فرضيات أنجحت إخفاء دليل الحفر منها:

  •  قد يكون الأسرى أخرجوا ما كانوا يحفروه في جيوبهم إلى الساحات أثناء فترة التنفس
  • قد يكون الأسرى الستة قد تخلصوا من كميات الرمل بشكل تدريجي في دورات المياه والمجاري، وقلله تلك الكميات مع كثرة المياه المتسربة لا تعطل أو تغلق مسارب الصرف الصحي
  •  القائد في شرطة الاحتلال أريك يعقوب رجح في تصريحات للإعلام العبري أن يكون الأسرى قد استغلوا عطل في المبنى ليدخلوا من خلاله، وهذا المكان يقع فوق قاعدة من الأعمدة

ولكن هذه الفرضية غريبة وتطرح تساؤلا يفيد: ما أدرى الأسرى بوجود هذا العطل في أسفل المبنى؟ والتفسير الضعيف أن أحد الأسرى الفارين مهندس أبنية وله معرفه في طريقة وظروف عمليات البناء ويبدو أنه حلل الأمر ونجح في تحليله.

وتعتقد التقارير الإعلامية العبرية أن أحد هؤلاء الأسرى الهاربين درس جيدًا عمارة المبنى ووصل لثغرة دقيقة بين القواعد السفلية وتحديد مكانها تحت حوض الحمام. وتم تجويل تلك الثغرة لممر تحت السجن لذلك لم تشعر بهم المجسات، واستكملوا الحفر خارج السجن عدة أمتار، حيث اعترف المسؤولين بوجود هذا الخطأ في تصميم السجن، ما جعل عملية الهروب تتم في منتهى العبقرية والذكاء، بحسب ما نقل موقع “البوابة”.

وقالت مصلحة السجون الإسرائيلية، إنها تعتقد أن الأسرى تلقوا مساعدة من الخارج وكانوا يتواصلون عبر الهواتف المحمولة سراً.

وفي الساعات التي أعقبت الهروب، أصدرت مصلحة السجون لقطات تُذكر بفيلم الهروب من السجن لعام 1994 “Shawshank”، والذي يظهر عملاء يتفقدون نفقاً ضيقاً تم حفره تحت حوض في سجن جلبوع في أعماق الأرض.

ويتركز جزء كبير من التحقيق أيضا على كيفية نجاح المعتقلين الستة بالفرار بدون أن يلحظهم أي من الحراس في السجن المعروف بأنه شديد الحراسة ومجهز بأحدث التقنيات.

وبحسب إذاعة “كان” العامة الإسرائيلية، فإن كاميرات المراقبة تمكنت من التقاط المعتقلين أثناء فرارهم من مخرج النفق لكن أحدا لم يكن يرصد الشاشات حينها.

وأشارت الإذاعة إلى أن أحد الحراس المسؤولين كان نائما خلال مناوبته.

وقال صحافي في صحيفة “معاريف” إن التحقيقات تشير إلى أن حفر النفق قد يكون استغرق خمسة أشهر.

وبحسب المصادر الإسرائيلية، فإن سجن “جلبوع” الذي يقع على بعد حوالي ميلين من الحدود مع الضفة الغربية المحتلة “هو أحد السجون الأكثر حراسة في إسرائيل ويضم فلسطينيين مدانين أو مشتبه بهم بارتكاب “أنشطة مناهضة لإسرائيل”.

وجاء حدث الهروب من السجن قبل ساعات من بدء إسرائيل موسم أعيادها، حيث تحتفل بما يسمى رأس السنة اليهودية.

ومنذ فرار الأسرى الستة، عزّز مسؤولو الشرطة والجيش من الإجراءات الأمنية في جميع أنحاء البلاد، تحسبا من قيامهم بتنفيذ هجوم ضد جنود أو مدنيين إسرائيليين، أو إلهام آخرين لتنفيذ هجمات، مع احتفال بعض الفلسطينيين بنجاح عملية الفرار.

وقال مسؤولون أمنيون للقناة 12 العبرية، إن الهروب يعتبر نجاحا رمزيا للغاية للفصائل الفلسطينية، ويحتفل به الفلسطينيون لا سيما في مخيم جنين، المنطقة التي جاء منها الأسرى الستة جميعهم، حيث وُزعت الحلوى احتفالا صباح الاثنين.

يُشار إلى أن سجن جلبوع كان موقعا لمحاولة هروب مماثلة عام 2014، عندما اكتشف حراس السجن نفقا تم حفره تحت الحمام.

وكان الأسرى الثمانية المشتبه في تعاونهم على حفر النفق أعضاء في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية وكانوا يتشاركون في الزنزانة والحمام.

ويقول وزير الأمن إن محاولة الهروب عام 2014 كانت هي الطريقة التي أدرك بها مسؤولو الأمن لأول مرة وجود خلل في المبنى، ومن الواضح أنه لم يتم التعامل مع الخلل بالشكل المناسب.

اقترح تصحيحاً

اترك تعليقاً