عاجل

عاجل

بلاستيكو

الوطن يجمعنا .. فهل نسمح للجغرافيا بأن تفرقنا

الوطن يجمعنا .. فهل نسمح للجغرافيا بأن تفرقنا

منذ البداية كنت أجد كثيراً من النفور من أي حديث لا يستطيع الانفكاك من أسر تصور الوطن على أساس توزيعه الجغرافي إلى شرق وغرب وجنوب. وذلك لأني عشت معظم حياتي في ظل وطن واحد، ومنذ بلوغي سن الرشد السياسي، أي الثامنة عشرة من عمري، ودخولي الجامعة، وجدت نفسي أجلس في القاعة الدراسية نفسها مع إخوان لي جاءوا من كل أنحاء الوطن، كان منهم القادم من طرابلس المدينة، وكان منهم القادم من أقصى الغرب، من زوارة، وكان منهم القادم من ترهونة وبني وليد، والقادم من مختلف مناطق جبل نفوسة: غريان ومزدة ونالوت وكاباو، وكان منهم القادم من الجنوب: سبها وهون وغيرهما، ناهيك عن القادمين من أقصى الشرق: طبرق ودرنة، ومن أقصى الجنوب: الكفرة وجالو وأوجلة. ثم جمعت ملابسات حياتي العملية، أثناء الدراسة العليا، وأثناء العمل بالجامعة، وخلال الفترة التي عشتها خارج الوطن، أحسب نفسي مناضلاً من أجل خلاص الوطن وانعتاقه، أقول جمعت هذه الملابسات بيني وأعداد كبيرة من أبناء الوطن، من كل جهاته وأعراقه وثقافاته، ولم يكن يجمع بيننا في كل تلك الظروف سوى روابط معنوية موضوعية: الزمالة في الدراسة، أو الزمالة في العمل، ثم الرفقة في ساحة النضال والعمل السياسي، حتى بت أقول كما قال الصديق فؤاد سيالة في مقالته الجميلة (رب أخ لي لم تلده أمي)، لأني أشعر بالفعل أن آصرة متينة من القربى الفكرية والسياسية والعاطفية تربطني بكثير من هؤلاء، أكثر مما قد تربطني صدفة الميلاد أو الإقامة في منطقة من مناطق الوطن، أعني جهاته الجغرافية: شرق أو غرب أو جنوب، ببعض القاطنين في نفس المدينة التي أسكن فيها، وببعض المولودين في نفس الواحة التي ولدت فيها.

ولقد بت أشعر بكثير من الرفض والاستهجان للعبارة التي أخذت أسمعها ممن ينادون بالعودة إلى تقسيم البلاد إلى مناطق وأقاليم ترتبط ببعضها برابطة الحكم الاتحادي، عندما يصرون على التعبير عن أبناء الوطن بأنهم: شراقة وغرابة وفزانيون، وعندما يختارون ضمير جمع الغائبين (هم) للتعبير عن أولئك، ويعبرون عن أنفسهم بضمير جمع المتكلمين (نحن) ويعنون بذلك سكان (برقة). وقد ظللت أجد نفسي مدفوعاً للرد عليهم بقوة بتساؤل أطلب منهم الإجابة عنه بتحديد ودقة، يقول: من هم هؤلاء الذين تقولون عنهم (هم)، وتزعمون أنهم سوف يهيمنون على مقدرات الوطن ويسيطرون على تحديد مصيره؟ وهل يمكن أن تقنعوني بأن هناك كتلة واحدة متجانسة اسمها (أهل الغرب) مقابل كتلة واحدة متجانسة اسمها (أهل الشرق)؟ إن الواقع الذي نلمسه ونعيشه في كل مفاصل حياتنا يفند هذا القول ويرده.. فإخواننا المواطنون الذين يعيشون في مختلف بقاع ذلك الإقليم الذي تريدون أن تعيدونا إليه، والذي عرف تاريخياً باسم (طرابلس)، ليسوا سواء في تصورهم للوطن ومستقبله ومصيره والسياسات الكفيلة بنقله إلى آفاق التطور والازدهار التي نحلم بها جميعاً، وليسوا سواء في قناعاتهم الفكرية والسياسية حول طبيعة الدولة المدنية التي نريد أن نؤسسها معاً. وإن الواقع الذي نعيشه أيضاً يؤكد لنا في كل يوم ولحظة أننا لا نجد أنفسنا البتة متفقين مع من تريدون أن تحشرونا معهم في خندق واحد، هو خندق الإقليم الجغرافي التاريخي الذي يسمى (برقة)، فثمة من أبناء (برقة) من أختلف معهم تماماً على كل تصوراتهم ومواقفهم فيما يتعلق بطبيعة الدولة وأسسها وآفاق إعادة بنائها، ومن ثم فلا أجد في نفسي أي رابطة تربطني بهم، لمجرد أنهم (برقاويون).

وهذا ما قصدته من العنوان الذي اتخذته لهذه المقالة، فما يجمع بيني وغيري من إخواني المواطنين من مختلف ربوع الوطن ونواحيه، هو الوطن وتطلعنا لأن نبنيه معاً كما ظللنا على مدى عقود من حياتنا ونضالنا السياسي نحلم به ونتصوره ونتمناه، أما الجغرافيا فلا أجد، وينبغي ألا يكون لها أي معنى أو أثر، في تحديد قناعاتنا وتصوراتنا الفكرية السياسية. إني ألتقي حول فكرة الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المؤسسات وسيادة القانون، دولة العدالة والتنمية والازدهار والتقدم، مع كل من يؤمن معي بهذه المبادئ والأسس، مهما كانت النقطة التي ولد أو يعمل أو يقيم فيها. وإني في هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه الكلمات ألتقي في إطار الحزب السياسي الذي أنتمي إليه (تجمع ليبيا الديمقراطية)، مع إخوان لي من المواطنين، ينتمون إلى قبائل مختلفة، وإلى جهات مختلفة، وأجد أن هذه الرابطة الفكرية التي تربطني بهم، تتجاوز تماماً مكان الولادة الذي تشير إليه بطاقات هويتهم الشخصية، أو مكان الإقامة الذي يشير إليه كتيب العائلة.

وسوف أظل أؤكد أن ما يجمعنا هو الوطن الواحد، وأن ما يربط بيننا هو الانتماء إليه وإلى حاضره ومستقبله، وأني سوف أناضل بكل ما أملك من قوة فكرية وسياسية، للحيلولة دون أن تفرقنا الجغرافيا من جديد إلى شرق وغرب وجنوب.

e-mail: yfannush@yahoo.com               0925121949

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

اترك تعليقاً