استعادت الحكومة السورية السيطرة الكاملة على حقول النفط والغاز في محافظة دير الزور ومناطق استراتيجية في الرقة، في خطوة تمثل منعطفًا تاريخيًا للاقتصاد السوري بعد أكثر من 14 عامًا من النزاع الذي دمر قطاع الطاقة وبنية البلاد التحتية.
وفور استعادة السيطرة، بدأ فريق متخصص من وزارة النفط السورية بإجراء تقييم شامل لجميع الحقول النفطية الرئيسية، بما في ذلك حقل “كونيكو” للغاز، بهدف وضع خطط تطويرية بالتعاون مع الشركات الأجنبية التي تمتلك حقوق استثمارية، بما يشمل تلك التي توقفت عن العمل منذ اندلاع النزاع عام 2011، ما يعكس رغبة الحكومة في استئناف الإنتاج وتعظيم العائد الاقتصادي من الموارد الحيوية.
وأعلنت الشركة السورية للبترول استعدادها لاستئناف تصدير النفط من حقل العمر النفطي في محافظة دير الزور، والذي يحتوي على نحو 900 بئر.
وأكد الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي أن الحقل كان ينتج سابقًا نحو 50 ألف برميل يوميًا، بينما لا يتجاوز إنتاجه الحالي 5 آلاف برميل، موضحًا أن الشركة تعمل على استعادة الإنتاج الكامل خلال فترة قصيرة.
وأشار قبلاوي خلال مؤتمر صحفي عقد في الحقل إلى أن الشركة تخطط لتعزيز الإنتاج واستئناف التصدير، إضافة إلى دراسة مشاريع إعادة إعمار وتأهيل البنى التحتية بالتنسيق مع السلطات المحلية.
وأوضح أن خطة الشركة تشمل استلام جميع آبار النفط في البلاد وإعادة تأهيلها بالاعتماد على الكوادر الوطنية، بالتنسيق مع الجيش السوري لتأمين الحقول النفطية.
كما لفت قبلاوي إلى أن الشركة تسعى لتحقيق نقلة نوعية في قطاعي النفط والغاز عبر تعزيز الشراكات مع الشركات المحلية والأجنبية، مشيرًا إلى اهتمام شركات أمريكية جديدة بالاستثمار في حقول الغاز بمحافظة الحسكة.
وتأتي هذه التحركات بعد أن بسط الجيش السوري سيطرته على الحقول النفطية الاستراتيجية، أبرزها حقل العمر وحقل التنك وحقول كونيكو والجفرة والعزبة وحقول طيانة، إلى جانب مجمع “الثورة” النفطي في الريف الجنوبي الغربي لمحافظة الرقة، الذي يُعد ركيزة أساسية للبنية التحتية للطاقة في سوريا، ويؤمن عمليات التكرير والنقل وربط الإنتاج المحلي بالشبكة الوطنية.
ونتيجة لهذه السيطرة، شهدت الأسواق المحلية تحسنًا ملموسًا في سعر الليرة السورية، إذ سجل الدولار في بداية تعاملات اليوم 11200 ليرة للشراء و11300 ليرة للمبيع، بعد انخفاضه بنسبة 6.28% في الجلسة السابقة، ما يعكس أثر السيطرة على الموارد النفطية والغازية في إعادة الثقة إلى الأسواق ودعم استقرار العملة الوطنية، وهو ما أكده مصرف سوريا المركزي الذي أكد توفر الكتلة النقدية الجديدة بكميات كافية لتلبية احتياجات جميع المحافظات، مشيرًا إلى معالجة أي تحديات لوجستية بسيطة لضمان استمرار عملية الاستبدال بسلاسة ودون أي أعباء على المواطنين.
ويُشير الخبراء إلى أن السيطرة على الحقول النفطية والغازية ليست مجرد خطوة اقتصادية، بل تحمل أبعادًا سياسية وإقليمية، إذ تعيد دمشق إلى موقع القوة في إدارة مواردها الوطنية، وتقوض النفوذ الاقتصادي والسياسي لقوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق البلاد، وتضع الولايات المتحدة وتركيا أمام واقع جديد يستدعي إعادة تقييم سياساتهما في المنطقة.
موشيه إلعاد، الخبير الإسرائيلي بالشؤون الشرق أوسطية، اعتبر أن استعادة حقول النفط والغاز “حدث ذو دلالة إقليمية عميقة”، إذ يعزز مركزية الدولة ويعيد ترتيب ميزان القوى الداخلي والإقليمي، ويضع دمشق في موقع قوة يمكنها من إدارة مواردها الوطنية بشكل كامل، بما يعكس قدرة الدولة على إعادة بناء الاقتصاد بعد سنوات طويلة من التدهور في الإنتاج النفطي والغازي، الذي كان قبل النزاع يبلغ نحو 380 ألف برميل يوميًا مع شبكة غاز متكاملة تمتد لحوالي 2600 كيلومتر.
إضافة إلى ذلك، تشمل السيطرة على الموارد حقل الرصافة وصفيان قرب مدينة الطبقة، ما يمكّن الحكومة من تأمين الإمدادات المحلية من الطاقة وتقليل الاعتماد على السوق الدولية، وتحقيق أثر مباشر على استقرار الأسواق والليرة، وهو ما يمثل خطوة استراتيجية لإعادة الثقة في الاقتصاد الوطني بعد سنوات من الانخفاض الحاد.
هذا وقبل عام 2011، شكّل قطاع الطاقة أحد الركائز الأساسية للاقتصاد السوري، إذ كانت سوريا تنتج نحو 380 ألف برميل نفط يوميًا، وتمتلك بنية تحتية متكاملة للغاز تشمل ثمانية معامل للمعالجة وحوالي 45 محطة تجميع وشبكة نقل تمتد لأكثر من 2600 كيلومتر.
لكن النزاع الطويل أضعف هذه البنية التحتية، وأدى إلى توقف إنتاج النفط والغاز، ما انعكس على استقرار الليرة وأسواق التمويل، وفقدان الدولة لأحد أهم مصادر الإيرادات.
عودة الحكومة للسيطرة على الحقول النفطية والغازية تمثل مؤشرًا حاسمًا على قدرة الدولة على إعادة بناء الاقتصاد، وتأمين الإمدادات المحلية من الطاقة، وتحسين الإيرادات الوطنية، وتعزيز الثقة في الأسواق، مع إعادة السيادة المركزية بعد سنوات من السيطرة شبه الإقليمية على الموارد، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على الوضع الاقتصادي والسياسي الداخلي والإقليمي.





اترك تعليقاً