شارك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ، الأربعاء، في مراسم توقيع وثائق واتفاقيات مشتركة بين موسكو وبكين داخل قاعة الشعب الكبرى في العاصمة الصينية، في إطار زيارة رسمية يجريها بوتين إلى الصين تستمر يومين، وتُعد واحدة من أبرز المحطات السياسية بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
وذكرت وكالة “سبوتنيك” الروسية ووكالة “شينخوا” الصينية، أن الزعيمين عقدا محادثات موسعة وأخرى مغلقة تناولت العلاقات الثنائية والقضايا الدولية والإقليمية، مع تركيز خاص على تطورات الشرق الأوسط، وأمن الطاقة، ومستقبل النظام الدولي، إضافةً إلى توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.
واستقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الروسي فلاديمير بوتين أمام قاعة الشعب الكبرى في ميدان تيانانمن وسط مراسم رسمية شاركت فيها فرقة حرس الشرف وفرقة موسيقية عسكرية، إلى جانب عشرات الأطفال الذين حملوا أعلام روسيا والصين والزهور، بينما عُزف النشيدان الوطنيان للبلدين قبل انطلاق القمة الثنائية.
وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال المحادثات أن العلاقات الروسية الصينية وصلت إلى “مستوى غير مسبوق”، مشيرًا إلى أن التعاون بين موسكو وبكين يواصل تحقيق “زخم قوي وإيجابي” رغم التحديات والضغوط الخارجية.
وقال بوتين إن الشراكة بين البلدين أصبحت نموذجًا للتعاون الاستراتيجي الحقيقي، مضيفًا أن روسيا والصين تعملان على تعزيز التنسيق داخل الأمم المتحدة ومجموعة “بريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون، إلى جانب دعم بناء نظام عالمي “أكثر عدلًا وتوازنًا”.
كما وجّه الرئيس الروسي دعوة رسمية إلى الرئيس الصيني لزيارة روسيا خلال عام 2027، مؤكدًا أن الهدف الرئيسي للعلاقات الثنائية يتمثل في تحقيق الرفاه والازدهار للشعبين الروسي والصيني.
من جانبه، شدد الرئيس الصيني شي جين بينغ على أن العالم يواجه “خطر العودة إلى قانون الغاب”، معتبرًا أن معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين الصين وروسيا تكتسب أهمية متزايدة في ظل التحولات الدولية المتسارعة.
وأعلن شي جين بينغ اتفاق الجانبين على تمديد معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون الموقعة عام 2001، موضحًا أن الاتفاقية أرست أسس الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد بين البلدين خلال الأعوام الـ25 الماضية.
وأضاف الرئيس الصيني أن بكين وموسكو ستواصلان العمل للحفاظ على روح المعاهدة وتعزيز التعاون الاستراتيجي المتبادل في مختلف المجالات.
وفي ملف الشرق الأوسط، أكد شي جين بينغ أن المنطقة تمر “بمرحلة انتقالية حاسمة من الحرب إلى السلام”، مشددًا على أن الوقف الكامل للأعمال العسكرية بات ضرورة ملحّة.
وقال الرئيس الصيني إن استئناف العمليات العسكرية “لن يكون مناسبًا”، داعيًا إلى مواصلة المفاوضات والحلول السياسية لتجنب اضطرابات إضافية في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
بدوره، أكد الرئيس الروسي أن التعاون الروسي الصيني يمثل عامل استقرار في العلاقات الدولية، خاصةً في ظل تراجع الاتفاقيات الدولية المنظمة للأمن ونزع السلاح والحد من التسلح النووي.
وتطرقت المباحثات أيضًا إلى التعاون في قطاعَي النفط والغاز، حيث كشف الكرملين أن الجانبين يقتربان من اتخاذ “خطوة مهمة للغاية” في مشاريع الطاقة المشتركة، وعلى رأسها مشروع خط أنابيب “قوة سيبيريا 2”.
وينص المشروع على نقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا من غرب سيبيريا إلى الصين عبر الأراضي المنغولية، ضمن عقد طويل الأجل يمتد لنحو 30 عامًا.
وأكد مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف أن ملف الطاقة سيحظى بنقاش تفصيلي بين الزعيمين، في ظل تنامي مكانة روسيا كمورد رئيسي للطاقة إلى الصين.
وفي الجانب الاقتصادي، أوضح الكرملين أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ قرابة 240 مليار دولار خلال عام 2025، مع توسع كبير في مجالات التعاون الصناعي والزراعي والتكنولوجي.
كما ناقش الطرفان توطين صناعة السيارات الصينية داخل روسيا، إلى جانب توسيع صادرات المنتجات الزراعية الروسية إلى السوق الصينية.
وفي إطار تعزيز العلاقات الإنسانية، أعلن بوتين استمرار العمل بنظام الإعفاء المتبادل من التأشيرات بين البلدين، بعدما تجاوز عدد السياح المتبادلين ثلاثة ملايين شخص خلال عام 2025.
وتتيح الترتيبات الحالية للمواطنين الروس والصينيين السفر بين البلدين لمدة تصل إلى 30 يومًا دون تأشيرة، وسط مناقشات جارية لتمديد العمل بهذا النظام.
ورافق الرئيس الروسي إلى بكين وفد رفيع المستوى ضم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ونواب رئيس الوزراء، ورئيسة البنك المركزي الروسي إلفيرا نابيولينا، إضافةً إلى مسؤولين تنفيذيين من كبرى شركات الطاقة الروسية، بينها “غازبروم” و”روسنفط”.
وشملت أجندة الزيارة أيضًا مشاركة الزعيمين في افتتاح “عام التعاون الروسي الصيني في مجال التعليم”، إلى جانب اجتماع منفصل يجمع بوتين برئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ لبحث التعاون التجاري والاقتصادي.
وتأتي زيارة بوتين إلى بكين بعد أقل من أسبوع على زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية، في وقت تتجه فيه موسكو وبكين إلى توسيع شراكتهما السياسية والاقتصادية في مواجهة التحولات المتسارعة على الساحة الدولية.





