في تحرك نقدي لافت يحمل أبعادًا استراتيجية، أطلق مصرف ليبيا المركزي منتجًا مصرفيًا جديدًا تحت مسمى “الوديعة المقيدة بالدينار”، في خطوة تستهدف إعادة توجيه السيولة داخل القطاع المصرفي، وخلق توازن أكثر انضباطًا في سوق النقد الأجنبي.
ويعكس هذا القرار توجهًا متقدمًا نحو استخدام أدوات غير تقليدية في إدارة السياسة النقدية، عبر ربط الإيداع بالدينار الليبي بإمكانية الحصول على العملة الصعبة، وفق آلية منظمة تسعى إلى تقليص الفجوة بين السوق الرسمية والموازية.
وبحسب التعميم الصادر عن إدارة الرقابة على المصارف، فإن المنتج يتيح للأفراد والشركات فتح حسابات مصرفية بالدينار، تُجمّد فيها الأموال لمدة عام كامل ابتداءً من الأول من مايو 2026، ليصبح من حق أصحابها التقدم بطلبات للحصول على النقد الأجنبي بعد انتهاء فترة التجميد، وفق نسب يحددها مصرف ليبيا المركزي.
ولا يقتصر هذا الامتياز على أصحاب الودائع الجديدة، بل يشمل أيضًا حاملي شهادات إيداع المضاربة المطلقة الصادرة عن المصرف المركزي، حيث يمكنهم الاستفادة من نسبة مخصصة من النقد الأجنبي بعد تاريخ الاستحقاق، إلى جانب العوائد المالية المتحققة من هذه الشهادات، ما يعزز جاذبية الأدوات الادخارية داخل النظام المصرفي.
وحدد المصرف نسبة أساسية تبلغ 5% من قيمة الوديعة أو الشهادة للحصول على النقد الأجنبي، إلا أن العنصر الأكثر جذبًا في هذا المنتج يتمثل في الحوافز التصاعدية المرتبطة بتوقيت الاشتراك، إذ ترتفع النسبة إلى 60% لمن يسجل خلال مايو 2026، وتنخفض إلى 55% خلال يونيو، مع ترك المجال مفتوحًا أمام المصرف لتعديل هذه النسب وفق تطورات السياسة النقدية وظروف السوق.
ويمنح القرار مرونة في استخدام النقد الأجنبي المخصص، حيث يمكن توجيهه نحو التحويلات المالية داخليًا وخارجيًا، وفتح الاعتمادات المستندية، إلى جانب استخدامات أخرى يحددها مصرف ليبيا المركزي، على أن تُنفذ عمليات الشراء بالسعر الرسمي المعتمد وقت التنفيذ، وهو ما يعزز من شفافية العمليات ويحد من المضاربات.
ويُنظر إلى هذا المنتج كأحد أبرز محاولات امتصاص السيولة الراكدة خارج القنوات المصرفية، خاصة في ظل تكدس كميات كبيرة من النقد لدى الأفراد بعيدًا عن النظام الرسمي، حيث يسعى المصرف إلى استقطاب هذه السيولة عبر حوافز واضحة ومباشرة مرتبطة بالحصول على العملة الأجنبية.
كما يحمل القرار أبعادًا تتعلق بمكافحة السوق الموازية، من خلال توفير بديل رسمي ومنظم للحصول على النقد الأجنبي، ما قد يسهم في تقليل الاعتماد على القنوات غير الرسمية، ويعزز استقرار سعر الصرف على المدى المتوسط.
ويأتي هذا التوجه في ظل تحديات اقتصادية متراكمة تواجهها ليبيا، تتطلب تبني أدوات نقدية أكثر مرونة وابتكارًا، قادرة على ضبط حركة السيولة، وتحقيق التوازن بين العرض والطلب على العملات الأجنبية، إلى جانب تعزيز الثقة في القطاع المصرفي وتشجيع التعاملات الرسمية.
ويمثل هذا المنتج اختبارًا عمليًا لمدى قدرة مصرف ليبيا المركزي على إعادة تشكيل سلوك الأفراد والشركات تجاه الإيداع والاستثمار، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إدارة السيولة تعتمد على الحوافز الذكية بدل الإجراءات التقليدية.





