وجّه الرئيس السوري، أحمد الشرع، سلسلة من المواقف الحاسمة والانتقادات المباشرة وغير المسبوقة إلى “حزب الله” اللبناني، واصفاً إياه بأنه “متعدٍّ على قرار الدولة اللبنانية في قرار السلم والحرب”، ومشدداً في الوقت عينه على أن أي دولة في العالم يكون لديها قوى عسكرية خارجة عن إرادتها هي بالضرورة “دولة مستعصية على البناء والتطور”.
وأكد الشرع، في مقابلة تلفزيونية شاملة ومطولة بثتها قناة “المشهد”، أن “حزب الله” يجب أن يجد له موضعاً طبيعياً وسليماً داخل لبنان، مع ضرورة أن تعلو المصالح اللبنانية فوق أي مصلحة أخرى. وكشف الرئيس السوري عن أبعاد تاريخية معقدة قائلاً: “هناك جرح سوري كبير لا يزال حياً حتى الآن، وحزب الله مشترك في ذلك”، داعياً قيادة الحزب إلى مراجعة ما جرى في السابق والبحث الجاد عن حلول حقيقية لتأمين البيئة الشيعية داخل لبنان بدلاً من المغامرة بها.
وأوضح أن خسارة أي مكون في لبنان هي خسارة للمنطقة بأكملها، مؤكداً أن دمشق مستعدة للجلوس مع “حزب الله” على طاولة واحدة إن كان هذا الأمر يصب في صالح سوريا ولبنان معاً.
وفي سياق الحراك الدبلوماسي الدولي لإنهاء الأزمة، أعلن الرئيس السوري عن طرح مقاربة سياسية مختلفة بالتعاون مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لوقف الحرب الدائرة في لبنان. وتطرق الشرع إلى الموقف الأمريكي، موضحاً أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أبدى انزعاجه المباشر مما يجري في لبنان حالياً، لافتاً إلى أن تصريحات ترامب الأخيرة جرى فهمها وتفسيرها بشكل خاطئ.
وأضاف الشرع بنبرة حازمة: “لدينا من الشجاعة ما يكفي إذا أردنا أن ندخل في ميدان حرب أن نقول ذلك بشكل علني”، مشيراً إلى أن الحل في لبنان لا يمكن أن يتم عن طريق الحرب وقصف المدن، ومصفاً إياها بـ”الحروب العبثية” التي لا يوجد فيها منتصر بل ستخرج منها كل الأطراف خاسرة، ومرحباً في الوقت ذاته بتوقف الحرب الإيرانية الإسرائيلية مؤخراً.
وعلى صعيد العلاقات التاريخية والسياسية بين دمشق وبيروت، أشار الشرع إلى أن الشعبين السوري واللبناني كانا يعانيان معاً من ممارسات وسياسات النظام السابق في سوريا، معرباً عن أسفه لأن بعض الأطراف والقوى اللبنانية لا تزال حتى اليوم أسيرة لملفات الماضي. وبيّن أن لبنان يعاني حالياً من حالة عدم اهتمام واضحة من الدول التي كانت تُصنف تاريخياً كحليفة له، معتبراً أن الاستقطاب الحاصل والظرف المعقد داخل لبنان، إلى جانب غياب رؤية استراتيجية موحدة، يحول دون إيجاد مخرج للأزمة، وهو ما ضيق خيارات الوصول إلى حلول تنهي المعاناة.
ورغم قتامة المشهد، أكد الرئيس السوري أنه لا يزال لدى لبنان فرصة كبيرة وأفكار “خارج الصندوق” للإنقاذ والابتعاد عن الأفكار التقليدية للوصول إلى توافق سياسي ينهي الأزمة الحالية. وأردف: “نحن نمد أيدينا بشكل يومي إلى اللبنانيين لمساعدتهم على إيجاد الحل”، مشدداً على أن سوريا يهمها بشكل كبير أمن واستقرار لبنان لأنه مرتبط ارتباطاً عضوياً وبنيوياً بأمن واستقرار سوريا، لافتاً إلى أن العلاقة بين البلدين يجب أن تبدأ من نقاط الالتقاء الجغرافية والاجتماعية وليس من نقاط الخلاف، مع التطلع إلى لبنان كواجهة سياحية مميزة للمنطقة نظراً للصلات المشتركة الكبيرة.
وفي الشأن الاستراتيجي والداخلي، أعلن الشرع أن سوريا بدأت تشكل فعلياً عقدة ربط استراتيجي إقليمي هامة، وأنه يتعين على لبنان وجوباً الاستفادة من هذا الموضوع.
واختتم الرئيس السوري حواره بالحديث عن مسار التحول الداخلي، مؤكداً أن النموذج السوري الجديد من المبكر الحكم النهائي عليه رغم تجاوزه للعقوبات الكبرى التي فُرضت على البلاد، معقباً بأن سوريا – بناءً على الأرقام والمؤشرات الحالية – تسير في المسار الصحيح، وأن خيار التنمية الاقتصادية هو خيار استراتيجي واضح وثابت ولن تتنازل عنه الدولة السورية بأي حال من الأحوال.
وكان أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن اقترابه من تسليم ملف مواجهة “حزب الله” اللبناني إلى الدولة السورية، ومنح الرئيس السوري، أحمد الشرع، دوراً أكبر وصلاحيات أوسع للتعامل المباشر مع الحزب كبديل للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
وأوضح ترامب، في تصريحات أدلى بها لشبكة “فوكس نيوز” الأمريكية، أنه على وشك إعطاء أمر الدخول إلى مناطق جنوب لبنان للرئيس السوري أحمد الشرع، معتبراً أن الأخير وقواته سيقومون بعمل عسكري وأمني أكثر دقة وتنظيماً في مواجهة الحزب مقارنة بالجانب الإسرائيلي.
وأعرب الرئيس الأمريكي عن خيبة أمله الكبيرة وإحباطه الشديد من الأداء والنتائج الميدانية لإسرائيل في مواجهتها المستمرة مع حزب الله، مؤكداً أن تل أبيب عاجزة تماماً عن القضاء عليه، وموجهاً انتقاداً مباشراً ولاذعاً لأسلوب العمليات العسكرية الإسرائيلية بقوله إن الجيش الإسرائيلي لا يمكنه فعل أي شيء أو تحقيق أي تقدم ميداني دون هدم المباني السكنية والمنشآت في لبنان.
وكشف ترامب أنه ناقش احتمال اضطلاع سوريا بدور عسكري وأمني لمواجهة حزب الله داخل الأراضي اللبنانية مع الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقاء ثنائي جمعهما على هامش أعمال قمة مجموعة السبع (G7) التي عُقدت في فرنسا الأسبوع الماضي، مشيراً إلى أن سوريا قد تتمكن من القيام بعمل أفضل بكثير من إسرائيل ضد بنية الحزب التحتية.
وأثارت تصريحات الرئيس الأمريكي ردود فعل ومواقف متباينة في الأوساط الإقليمية والدولية؛ حيث سارع الرئيس السوري أحمد الشرع في وقت سابق بنفي وجود أي نية أو خطة سورية للتدخل عسكرياً في الساحة اللبنانية، في حين فضلت الحكومة اللبنانية الامتناع عن التعليق الرسمي.
ومن جانبه، رفض وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الفكرة الأمريكية جملة وتفصيلاً، مؤكداً أن إسرائيل ليست بحاجة إلى أي تدخل أو إسناد سوري في لبنان، وأن الجيش الإسرائيلي يتولى مواجهة حزب الله وتأمين حدوده بنفسه.
هذا وتعيد تصريحات دونالد ترامب المفاجئة إلى الواجهة الدولية الجدل المعقد حول الدور والوجود العسكري السوري في لبنان، بالنظر إلى التاريخ الطويل لدمشق التي فرضت وجودها العسكري هناك منذ عام 1976 وحتى انسحاب قواتها الكامل في عام 2005.
وتأتي هذه الطروحات الأمريكية الصادمة لحلفائها في تل أبيب في وقت تبحث فيه واشنطن عن صياغة معادلة أمنية جديدة في الشرق الأوسط تضمن لجم الفصائل المسلحة الموالية لإيران، مع محاولة استثمار التحولات السياسية الجديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع لتقليص النفوذ الإيراني، بالاعتماد على أدوار إقليمية بديلة تتجنب الكلفة السياسية والإنسانية الباهظة الناتجة عن التدمير الإسرائيلي الشامل للمدن اللبنانية.





