تشهد الملفات الاقتصادية والمالية في ليبيا نقاشًا حول تراجع قيمة الدينار الليبي وارتفاع سعر الدولار، وآليات توزيع النقد الأجنبي، وحجم الإنفاق العام، ومدى قدرة الدولة على إدارة مواردها المالية والاستثمارية، إلى جانب تأثير السياسات النقدية والمالية في الأسعار ودخول المواطنين.
وتناول مشرف الملف الاقتصادي والاجتماعي سابقًا بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، الدكتور محمد يوسف درميش، في تصريحات لشبكة «عين ليبيا»، أسباب تراجع قيمة الدينار الليبي وارتفاع سعر الدولار، وتوزيع النقد الأجنبي، والإنفاق العام، وإدارة الموارد المالية والاستثمارية للدولة، كما طرح مقترحات بشأن مخصصات النقد الأجنبي للمواطنين والعلاج والدراسة، وانتقد قرارات تخفيض قيمة الدينار وفرض الرسوم والضرائب.
وقال درميش إن «القصة تغيير أشخاص»، مضيفًا أن استقالة ناجي عيسى «لا تعني شيئًا»، لأنه، بحسب قوله، لم يقم بدوره محافظًا لمصرف ليبيا المركزي ورئيسًا لمجلس إدارته، وكان مثل من سبقه، «نفس النهج ونفس الأخطاء».
درميش: الانهيار التاريخي لقيمة الدينار بدأ بين عامي 1999 و2002
قال درميش إن الانهيار التاريخي في قيمة الدينار الليبي بدأ بين عامي 1999 و2002، موضحًا أن قيمة الدينار تغيرت من 0.30 مقابل الدولار إلى 1.20، معتبرًا أن هذا الإجراء زاد من حدة التشوهات والتضخم، وأدى إلى انخفاض فرص العمل وزيادة قوة الاحتكار.
وأضاف أن الدولة فقدت قيمة كبيرة من أصولها المقومة بالدينار، وخسرت المصارف في معدل العائد على الاستثمار، واستُنزفت مدخرات المواطنين.
وأشار إلى أن هذا الإجراء الأحادي الجانب تكرر في أعوام 2016 و2020 و2024 و2026، وقال إن ذلك ترتبت عليه مشكلات كبيرة للدولة، من بينها ارتفاع حجم بند المرتبات الناجم عن سياسة الانكماش وفرض الضرائب، في ظل تكدس العاملين في القطاع العام.
وأضاف أن ما تمر به البلاد حاليًا سببه قرارات سابقة وصفها بالعشوائية وغير المدروسة، إلى جانب موجة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وحرب الخليج الحالية، مشيرًا إلى غياب مؤسسات الدولة عن القيام بدورها وفق ما يخوله لها القانون.
ودعا إلى القضاء على احتكار القلة، وفتح آفاق جديدة لتنويع مصادر الدخل القومي، والتعامل مع المتغيرات الطارئة الدولية والإقليمية والمحلية.
درميش ينتقد رسوم الإيداع والسحب وتحديد سقف شهري للسحب
قال درميش إن الثقة بين المصارف والمواطنين انعدمت بسبب قرارات مصرف ليبيا المركزي التي وصفها بغير المدروسة، ومنها فرض رسوم على الإيداع والسحب، وتحديد مبلغ للسحب شهريًا لا يتناسب مع طلبات المواطنين والتجار.
وفي ما يتعلق بالعجز في النقد الأجنبي، قال إن السنة المالية لم تكن قد انتهت بعد، وإن القيود والحسابات والمبالغ لم تُسجل بالكامل لدى جميع الجهات التي تسهم في الدخل القومي، ومنها الموانئ والشركات الملاحية وعوائد التصدير بالعملة الصعبة للمواطنين ومؤسسات الدولة بمختلف أنواعها والاستثمارات.
وأضاف أن هذه المصادر لا تدخل ضمن المصادر التي يحتسبها مصرف ليبيا المركزي، موضحًا أن المصرف يأخذ في الحسبان إيرادات النفط التي وردت عبر البنك الليبي الخارجي فقط، وقال إن هذا الأمر تكرر عدة مرات.
وأعرب درميش عن أمله في ألا ينشر مصرف ليبيا المركزي ميزان المدفوعات والمقبوضات قبل التنسيق مع أدوات السياسات الاقتصادية والتجارية والمالية، لكي تكون حساباته دقيقة، مؤكدًا أن الدولة الليبية تملك مقومات مالية وموارد متاحة تحتاج إلى حسن الإدارة والاستثمار فقط.
درميش يقترح مخصصات سنوية للنقد الأجنبي للمواطنين
قال درميش إن مصرف ليبيا المركزي لم يقم بواجبه الحقيقي في تحقيق العدالة في توزيع النقد الأجنبي، معتبرًا أن سوق الاقتصاد الليبي أصبح قائمًا على احتكار القلة.
ودعا المصرف المركزي إلى تحديد مخصصات سنوية للمواطن لا تقل عن 15 ألف دولار، تكون متاحة له بطريقة سهلة طوال السنة، إلى جانب تخصيص 20 ألف دولار سنويًا للعلاج، و20 ألف دولار سنويًا للدراسة.
وطالب بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والتجارة لتنظيم الاعتمادات، بالتعاون مع إدارتي التجارة الخارجية والداخلية بالوزارة، من أجل ضمان تدفق السلع والخدمات والمحافظة على الجودة ومخزون الأمان.
وقال درميش إن هذه الإجراءات تتيح القضاء على احتكار القلة وتغول السوق السوداء، ووضع سعر صرف مناسب يتناسب مع دخول المواطنين وإمكانات الدولة ومصالح ليبيا الكلية مع الخارج.
درميش: مقارنة الإنفاق يجب أن تتم بالدولار
وفي ما يخص التوسع في الإنفاق، قال درميش إنه لا يمكن معرفة ما إذا كان هناك توسع أو انكماش إلا من خلال مقارنة السنوات بعضها ببعض.
وأوضح أن المقارنة يجب أن تشمل ما أُنفق بالدولار خلال أعوام 2010 و2012 و2013 و2014 و2020 و2023 و2024 و2025، معتبرًا أن هذه المقارنة لم تتم، وأن معظم حسابات الدولة لم تُقفل بعد.
وتساءل عن كيفية القول بوجود توسع في الإنفاق قبل إجراء المقارنة، مطالبًا بإعداد موازنة سنوية في بداية كل سنة باعتبارها خطة مالية مستقلة، وميزانية مقفلة في نهاية كل سنة على حدة.
كما دعا إلى إعداد قوائم وتقارير مالية وفق أصول الإدارة المالية، على أن تكون معتمدة من مكتب مراجعة خارجي مشهود له بالمصداقية من بين المكاتب الخمسة المعروفة عالميًا، وقال إن ذلك ضروري لمعرفة حقيقة الدين العام والمركز المالي الصحيح للدولة الليبية، معتبرًا أن هذه المتطلبات من دونها لا تعني شيئًا في الإدارة المالية.
درميش: ليبيا تملك موارد وإمكانات مالية واستثمارية ضخمة
قال درميش إن التصريحات النيابية واقعية، مؤكدًا أن ليبيا تملك موارد وإمكانات مالية واستثمارية ضخمة، وليست دولة فقيرة تعاني الشح.
وأضاف أن ليبيا تستطيع تمويل كل ما تريده، بشرط أن يكون ذلك في إطار الإدارة المالية، معتبرًا أن من يقول غير ذلك يضلل الحقيقة ولا يعرف خصائص الاقتصاد الليبي.
درميش: سوء إدارة الموارد وتخفيض الدينار زادا التشوهات والتضخم
قال درميش إن سوء إدارة الموارد والأموال والقرارات الارتجالية والأحادية المتعلقة بتخفيض قيمة الدينار وفرض الرسوم والضرائب زادت من حدة التشوهات والتضخم.
وأضاف أن تداعيات هذه الإجراءات انعكست بصورة كبيرة على المستوى العام للأسعار وقيمة الدينار الليبي ودخول المواطنين، وزادت من حدة الفقر والحرمان.
درميش ينتقد غياب الرقابة على الأسواق
قال درميش إن غياب الدولة ومؤسساتها عن كبح المضاربة ومراقبة الأسواق له مردود سلبي على المجتمع ككل، من حيث جودة السلع والأسعار والصلاحية وتوفير السلع والخدمات.
وشدد على ضرورة قيام الدولة وأجهزتها بدورها، كلٌّ في ما يخصه.
درميش: ارتفاع سعر الدولار سببه عدم العدالة في التوزيع
قال درميش إن ارتفاع سعر الدولار ليس سببه الإنفاق، بل عدم العدالة في التوزيع، مضيفًا أن الدولار أصبح سلعة خاصة يحصل عليها عدد قليل من الناس.
وأضاف أنه عندما تقوم الدولة بدورها الطبيعي في جميع أجهزتها ومؤسساتها، وتحقق العدالة في التوزيع وتقضي على الاحتكار وتضبط الإيرادات والإنفاق، مع ضمان أن يكون الصرف في أوجهه الصحيحة، فإن الدولة الليبية تأخذ وضعها الحقيقي.
وانتقد درميش ما وصفه بالتضليل وقلب الحقائق، وكلام أصحاب الأفق الضيق والإدراك المحدود الذين قال إنهم لا يمتلكون المعرفة والخبرة ولا يحتكون بالكفاءات المتميزة.





