تفكك الدولة الليبية.. هل بدأ العد التنازلي؟

تفكك الدولة الليبية.. هل بدأ العد التنازلي؟

د. إسماعيل علي الشريف

باحث سابق بجامعة يورك البريطانية، مستشار سابق بالمجلس الرئاسي لشؤون التنمية وسياسي مستقل

“حينما تطال الشكوك شرعية النظام السياسي وسيطرته .. فاعلم أن تفكك الدولة هي مسألة وقت”.

أضحت ليبيا دولة موحدة شكلياً و(عاطفيا) فقط.. بينما عملياً هي دولة منقسمة ومترهلة. رأسا السلطتان (التشريعية والتنفيذية) لكل منهما عزبته وسيطرته وجغرافيته.. فالمستشار عقيله في حاجة إلى (فرمان) لدخول طرابلس.. وبالمثل يتطلب زيارة رئيس الحكومة الدبيبة إلى الشرق والجنوب أذن و(فيزا) من السلطات في بنغازي.. أما إدارة الأموال العامة (الميزانية) فاعتمادها (الصوري) في وادي وصرفها (الفعلي) في وادي آخر.. ويواصل ديوان المحاسبة إصدار (فقاعات) إعلامية سنوية في صورة تقارير محاسبية ورقابية لا تسمن ولاتغني من جدل.

المفاصل الرئيسية لمؤسسات الدولة مفككة ومتآكلة.. (البرلمان) القابع في الشرق.. تحول إلى ملتقى للهرج والصياح الأسبوعي أو الشهري.. و(حكومة الوحدة) المحاصرة غرب البلاد ضمن مثلث (مصراته، طرابلس، غريان).. مصممة لإيصال ليبيا (التائهة) إلى أبواب صندوق النقد الدولي للإستدانة والتسول.. بينما تراقب السلطة القضائية المشهد كالأسد الهرم الذي خارت قوته.. وإن كان مكتب النيابة العامة يحاول جاهداً ملاحقة من تطاله سطوته واختياره.

يستمد النظام السياسي القائم حالياً (المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية) شرعيته الدولية من (كواغط) حوار (ستيفاني ويليامز) السياسي ولجنة الـ(75).. وشرعيته المحلية مما يلقيه على الشعب الغلبان من (فُتات) عوائد براميل النفط وأنبوب غاز (مليته).. في صورة مُنح الزواج (الطلاقات المؤجلة) والأبناء والزوجات.. وربما قريباً مُنح (العشيقات).. مدعومة بصمت منتفعي الإدارة الوسطي كثمن للمزايا والمهايا والعطايا.. فيما يغرد وحيداً المجلس الرئاسي (الرومانسي) في فضائه الخاص.. و(بازار) السفراء والسفريات والمستشارات.

هذا النظام السياسي (الهش) والهجين أفرزه  تقلب حال ليبيا السياسي والإقتصادي والإجتماعي والأمني والإداري خلال العشرية المضطربة الأخيرة (2011 – 2022) حيث تعاقبت حوالي ست حكومات (الكيب، زيدان، الثني، الغويل، السراج، الدبيبة) على إدارة الدولة.. ما أفلحت فيه جميعها هو الاشتراك في صناعة مرحلة انتقالية (إنتقامية) لامنتهية.. تضع ليبيا (الواحدة) في أخطر أزمة تاريخية وجودية تتهددها.. حيث أمنها وسيادتها ووحدتها وإستقلالها صارت ملفاً للمساومة والمقايضة في أروقة كبار اللاعبين الدوليين والإقليميين.

وسط هذه المتاهة السياسية شديدة التعرجات يوجد شيء وحيد محير. هناك حكمة يونانية شهيرة تقول أن “الثابت الوحيد في الحياة هو التغيير”.. لكن محافظ مصرف ليبيا المركزي ظل الثابت الوحيد في المعادلة السياسية الليبية وتمكن بصورة (مذهلة) من الإلتفاف ومعاكسة الحكمة (اليونانية).. عبر (ترويض) جميع من اقترب من عالمه وتحصيناته من النخب السياسية الوطنية والمستوردة.. محمياً بالعناية (الأميركية) جهاراً نهاراً داخل أسوار السرايا الحمراء التي صدر منها يوما ما عام (1805) المرسوم (القرمانلي) بالتمرد على النفوذ الأميركي!.

(غرفة عمليات) تفكيك الدولة الليبية الموحدة تأسست مبكراً من النخب الحاكمة القابضة على (السلطة والثروة والسلاح) للأمة الليبية (المنهكة).. على أنغام ووعود مُضخمة ومخدِرة بدولة حديثة وأوضاع معيشية وسياسية أفضل.. الطرح من البداية كان مستنسخاً ومشوهاً.. فأولى التجارب و(بروباقاندا) الإعلان الدستوري كانت إجراء إنتخابات تشريعية (ديمقراطية) في ظل غياب مفهوم المواطنة عن القاموس السياسي والدستوري في ليبيا.. وإستبداله بنموذج (المحاصصة) لتقاسم المناصب بين أقاليم طرابلس وبرقة وفزان.. وزرع (أفيون) الكوتة والأقليات والنسوة.. لإجهاض محاولات بعض النخب المثقفة الواعية إثارة مسألة المواطنة كحجر زاوية لبناء دولة حديثة عادلة.

بينما كان المتطلعون (البسطاء) في ليبيا يرون في الإنتخابات طريقاً جميلاً آمناً لدخول نادي التحول الديمقراطي وحماية الوحدة الوطنية.. كان هناك متاجرون (حُذاق) يصممون كراس مقايسة مشروع الفوضي الشاملة لتفكيك ليبيا.. خاض الليبيون أول تجربة إنتخابية برلمانية (ممنهجة) في عمرهم السياسي الجديد قبل أكثر من عشر سنوات (يوليو 2012) تحت راية الإقصاء والتمييز.. تبعها في صيف 2014 إجراء تجديد لتلك الإنتخابات التشريعية.. لكن ترتب على نتائجها الإحتكام إلى جينات العناد الليبية (العريقة) ورفض قوى (الإسلاميين) لخياراتها.. ويبزغ (فجر ليبيا) مؤذِناً ببدء تفكيك الدولة (الموحدة) ودخولها لنفق لا نهاية له.. مليء بحروب وحوارات سياسية فارغة و(غبية) وحكومات (عبثية) واستنزاف للوقت والثروة الوطنية.. وتصبح الانتخابات المفترض أنها حيثما كانت ترياق من (الدكتاتورية).. هي السم المدسوس في عسل الحرية.

عقب جلسات ماراثونية عام 2015 بمدينة (الصخيرات) المغربية قام المبعوث الأممي آنذاك (ليون) بعمليات سياسية (جراحية) متعددة.. اشتملت (رتق) غشاء شرعية مجلس النواب.. وتغيير (دم) المؤتمر الوطني العام ليُسمي المجلس الأعلى للدولة.. وزرع نخاع (فبرايري) لبعض (السبتمبريين).. والإعلان عن ميلاد الإتفاق السياسي الليبي LPA (ديسمبر 2015).. لكنه في الواقع لم يكن إلا تمديد لصلاحية مجلسي النواب والدولة وتقويضاً للمقترحات المحلية حينها في تنظيم إنتخابات جديدة.. ولتذهب ليبيا ووحدتها الوطنية للهاوية.

وسط سنوات الإنشغال العبثي حول مسألة توزيع الثروة.. تارة بإقفال (قبائل) برقة لإمدادات النفط على الطريقة (الجضرانية).. إلى الإستئناس بتنصيب (أبنائها) على رأس مؤسسة النفط (حماية له).. ومحاولة للتصدي للهيمنة الشوفينية (الغرباوية) على إهدار إيرادات براميل النفط الموردة لبيت المال في العاصمة (العصية) على اللامركزية.. تتبخر الأموال الهائلة (المجنبة) بعيداً عن التنمية.. وتتناقص السبائك والمليارات مما كان يخفيه (سدنة) الخيمة.. ولسخرية الأقدار داخل جيوب أعدائها.. فيما تعقد اللقاءات والمؤتمرات (البلهاء) لدولة القبائل والمجتمع المدني على أهازيج وطبول الهتافات الجوفاء من نوع (ليبيا وحدة وطنية .. لا شرقية لا غربية)!.

أمام ظلمة المشهد السريالي المحلى لتفكك الدولة الليبية أمام أعيننا.. يرسم الرئيس المصري عام 2020 الخط الأحمر (سرت – الجفرة) الذي حدده لضمان الأمن القومي المصري.. وتخرج قاعدة (الوطية) (الإيالة) الجديدة عن السيطرة الليبية.. تضيء (فلاشات) لملامح ليبيا (المصرية) وليبيا (التركية) على غرار الحالة الجيوسياسية الشاذة القريبة من مجالنا.. قبرص التركية وقبرص اليونانية.. أما الجنوب (المسلوب) الإرادة والإدارة فقد توزع دمه وثرواته بين القبائل الأفريقية والمخابرات الغربية.. تمهيداً لتكرار تجربة استقطاع (دويلة) جنوب السودان.

شعار ومنهاج وتربية (إذا لم تكن معي فأنت عدوي).. تطور وتحور في البيئة السياسية الليبية (النتنة).. فمعامل أبحاث مجلسي النواب والدولة أنتجت لنا جرثومة سياسية جديدة (إذا لم تكن معي فلا تكن ضدي .. لأجل المصلحة المشتركة).. ولو كانت ضد المصالح الوطنية والوحدة الوطنية.. فمنذ أكثر من عام والغريمين السياسيين (الحليفين) أحياناً.. يتلاعبان بحرفية بالمسار بأكمله أمام سمع وبصر الشعب المغلوب على أمره وبعثة UNSMIL الغلبانة (شكلياً) الغالبة (عملياً) لإبطال العملية الإنتخابية وتجديد شرعية النظام السياسي (المتآكل).

التجربة السياسية الليبية عبر سبعة عقود أخفقت في بناء دولة تواجه مصيرها عند النكبات.. كل شيء مختلف عن الأنماط المعروفة والتقليدية وما هو سائد مقارنة بجيرانها وأشباهها.. حتى الممارسة الإدارية استثنائية.. ينبري البعض لتقديس فترة المملكة ويتشنج البعض للدفاع عن النموذج الجماهيري.. ويستميت القلة بالتهليل لمرحلة فبراير.. لكن الحصيلة واحدة.. فليبيا في العشرية الأخيرة الضائعة للأسف (أيقونة) للفساد العالمي وتبوأت المراكز العليا لمؤشر مدركات الفساد (CPI) Corruption Perception Index ومؤشر الهشاشة أو الدول الفاشلة Failed States Index.. وتتحول الآن بمنعرج خطير إلى حالة استهلاكية.. مجرد جموع من البشر تلتهم إيرادات ثروتها الحصرية (النفط) عبر مرتبات حكومية لوظائف وهمية ومكب للمخلفات السلعية (الصينية).. ومن خلفهم شبكات (مافيوزية) لا تترك أخضر ولا يابس.

ليبيا لم تعد لليبيين أرضاً وثروةً وقراراً.. هذه هي الحقيقة المرة.. فدول الجوار تقضم من الحدود كلٍ حسب استطاعته.. وقوافل المهاجرين المستوطنين والعابرين غير الشرعية لا تتوقف.. وشبكات الجريمة (السلاح والمخدرات والذهب والسلع والوقود) ترتع بكل أريحية في الجنوب.. والتنظيمات المسلحة الأجنبية (حكومية وقطاع خاص) من أفريقيا وأوروبا وآسيا تتوزع بحسب جغرافيا السياسيين (المقاولين) المحليين.. و(لوردات) السلاح الدوليين.

الدولة الليبية (الموحدة) صارت وهم وشعار وصفحة مطوية من الماضي.. لا هوية جامعة ولا مشتركات وطنية ولا رؤية توافقية ولا حتى تفاهمات (دينية).. فلم يتبق لأقاليمها التاريخية الثلاث (طرابلس، برقة، فزان) إلا شعرة (النظام المصرفي) تربطها.. استعدوا للقادم الأسواء.. فالعد التنازلي قُرعت أجراسه.. ومسألة وقت حتي يمضي كل إقليم إلى حال سبيله.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

د. إسماعيل علي الشريف

باحث سابق بجامعة يورك البريطانية، مستشار سابق بالمجلس الرئاسي لشؤون التنمية وسياسي مستقل

اترك تعليقاً