ثاني اثنين.. الصديق في غزوة بدر الكبرى

د. علي الصلابي

فقيه، وكاتب، ومؤرخ، ومحلل سياسي ليبي.

ذكر أهل العلم بالتَّواريخ والسِّيَر: أنَّ أبا بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ شهد مع النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدراً، والمشاهد كلَّها، ولم يفته منها مشهدٌ، وثبت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أحدٍ حين انهزم الناسُ، ودفع إليه النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ رايته العظمى يوم تبوك، وكانت سوداء.

وقال ابن كثير: ولم يختلف أهل السِّيَر في أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ لم يتخلَّف عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مشهدٍ من مشاهده كلها.

وقد شارك الصِّدِّيق في غزوة بدرٍ، وكانت في العام الثاني من الهجرة، وكانت له فيها مواقف مشهورةٌ، من أهمِّها:

1ـ مشورة الحرب:

لمّا بلغ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ نجاة القافلة، وإصرار زعماء مكَّة على قتال النبيِّ؛ استشار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه في الأمر، فقام أبو بكرٍ، فقال وأحسن، ثمَّ قام عمر، فقال وأحسن.

2ـ دوره في الاستطلاع مع النبيِّ ـصلى الله عليه وسلمـ:

قام النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه أبو بكرٍ يستكشف أحوال جيش المشركين، وبينما هما يتجوَّلان في تلك المنطقة، لقيا شيخاً من العرب، فسأله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن جيش قريشٍ، وعن محمَّدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأصحابه، وما بلغه من أخبارهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتّى تُخبراني ممَّن أنتما. فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إذا أخبرتنا أخبرناك». فقال: أو ذاك بذاك؟ قال: «نعم». فقال الشَّيخ: فإنَّه بلغني: أنَّ محمداً، وأصحابه خرجوا يوم كذا، وكذا، فإنْ كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا، وكذا ـ للمكان الذي به جيش المسلمين ـ، وبلغني: أنَّ قريشاً خرجوا يوم كذا، وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا، وكذا ـ للمكان الذي فيه جيش المشركين فعلاً ـ، ثمَّ قال الشَّيخ: لقد أخبرتكما عمّا أردتما، فأخبرانِي ممَّن أنتما؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «نحن من ماءٍ». ثمَّ انصرف النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر عن الشَّيخ، وبقي هذا الشَّيخ يقول: ما من ماء؟ أمن ماء العراق.

وفي هذا الموقف يتَّضح قرب الصِّدِّيق من النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد تعلَّم أبو بكر من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دروساً كثيرةً.

3ـ في حراسة النبيِّ ـصلى الله عليه وسلمـ في عريشه:

عندما رتَّب ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصُّفوف للقتال؛ رجع إلى مقرِّ القيادة، وكان عبارةً عن عريشٍ على تلٍّ مشرفٍ على ساحة القتال، وكان معه فيه أبو بكرٍ ـ رضي الله عنه ـ وكانت ثُلَّةٌ من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقد تحدَّث عليُّ بن أبي طالبٍ ـ رضي الله عنه ـ عن هذا الموقف، فقال: يا أيُّها النَّاس! مَنْ أشجع النَّاس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين! فقال: أما إنِّي ما بارزني أحد إلا انتصفتُ منه، ولكن هو أبو بكرٍ: إنّا جعلنا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عريشاً، فقلنا: من يكون مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ لئلاّ يهوي إليه أحدٌ من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحدٌ إلا أبو بكرٍ شاهراً بالسَّيف على رأس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لا يهوي إليه أحد من المشركين إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس.

4ـ الصِّدِّيق يتلقَّى البشارة بالنَّصر، ويقاتل بجانب رسول الله ـصلى الله عليه وسلم-:

بعد الشُّروع في الأخذ بالأسباب اتَّجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ربِّه يدعوه، ويناشده النَّصر؛ الذي وعده ويقول في دعائه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً»، وما زال ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعو ويستغيث حتّى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكرٍ، وردَّه على منكبيه؛ وهو يقول: يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربَّك فإنَّه منجزٌ لك ما وعدك، وأنزل الله عزَّ وجلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} وفي رواية ابن عباسٍ: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم بدر: « اللهم إني أنشدك عهدك، ووعدك! اللهم إن شئت لم تعبد!» فأخذ أبو بكرٍ بيده، فقال: حسبك الله، فخرج ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ *} ، وقد خفق النبيُّ خفقةً وهو في العريش، ثمَّ انتبه، فقال: أبشر يا أبا بكرٍ! أتاك نصر الله، هذا جبريل اخذ بعنان فرسه، يقوده، على ثناياه النَّقع؛ يعني: الغبار. قال: ثمَّ خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى النَّاس، فحرَّضهم.

وقد تعلَّم الصِّدِّيق من هذا الموقف درساً ربانياً مهمّاً في التَّجرد النَّفسيِّ، والخلوص واللجوء للهِ وحدَه، والسجود والجثيّ بين يدي الله سبحانه، لكي ينزل نصره، وبقي هذا المشهد راسخاً في ذاكرة الصِّدِّيق، وقلبه، ووجدانه يقتدي برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تنفيذه في مثل هذه السَّاعات، وفي مثل هذه المواطن، ويبقى هذا المشهد درساً لكلِّ قائدٍ، أو حاكمٍ، أو زعيمٍ، أو فردٍ يريد أن يقتدي بالنبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته الكرام.

5ـ الصِّدِّيق، والأسرى:

قال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنه ـ: فلمّا أسروا الأسارى؛ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبي بكرٍ، وعمر: «ما ترون في هؤلاء الأسارى؟». فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العمِّ، والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً، فتكون لنا قوَّةً على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «ما ترى يأبن الخطاب؟». قال: لا والله لا يا رسول الله! ما أرى الذي يراه أبو بكرٍ، ولكنِّي أرى أن تمكِّننا منهم، فنضرب أعناقهم، فتمكِّن عليّاً من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكِّنني من فلانٍ (نسيباً لعمر) فأضرب عنقه، فإنَّ هؤلاء أئمَّة الكفر، وصناديدها.

فهوى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ، فلمّا كان الغد جئت، فإذا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأبو بكرٍ قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أيِّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكـاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «أبكي لِلذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهـم الفداء ولقـد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشَّجرة». ـ شجرة قريبة من النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ وأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} [الأنفال: 67] إلى قوله: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا} [الأنفال: 69] فأحلَّ الله لهم الغنيمة.

كان النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا استشار أصحابه أوَّلُ من يتكلَّم أبو بكرٍ في الشُّورى، وربما تكلَّم غيره، وربما لم يتكلَّم غيره، فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتَّبع رأيه دون رأي من يخالفه..

المراجع:

  • البخاريُّ، كتاب المغازي، باب بعث النبيِّ أسامة، رقم (4270)، كتاب المغازي، باب قصَّة بدر رقم (3953).
  • مسلمٌ، كتاب الجهاد والسِّير، رقم (1763)، كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة ببدر رقم (1763).
  • مسند أحمد (1/383).
  • تفسير ابن كثير، دار الفكر للطِّباعة بيروت، الطَّبعة الثانية 1389هـ 1970م. (2/325).
  • الطَّبقات الكبرى، لابن سعد، دار صادر، بيروت، (1/124)؛
  • صفة الصَّفوة، للإِمام أبي الفرج ابن الجوزي، دار المعرفة، بيروت، (1/242).
  • أُسْد الغابة في معرفة الصَّحابة، لأبي الحسن علي بن محمَّد الجزري، دار إِحياء التُّراث العربيِّ، الطبعة الأولى 1417هـ 1996م. (3/318).
  • علي محمد الصلابي، الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبو بكر الصديق، شخصيته وعصره، دار ابن كثير، ص. ص (73- 77).

اترك تعليق

  اشتراك  
نبّهني عن