في زحام التصريحات السياسية، تمرّ أحيانًا جملة عابرة، لكنها تكشف ما تحاول الدبلوماسية إخفاءه طويلًا. عبارة قيلت هنا أو هناك، قد يختلف البعض حول دقتها، لكنها تفتح بابًا لحقيقة أكثر قسوة: في ميزان القوى، لا يُسأل عن مذهبك… بل عن موقعك.
دعك من المجاملات، ومن اللغة التي تُخدّر العقول. الحقيقة أبسط وأخطر: في نظر القوى الكبرى، لا قيمة لهويتك الطائفية بقدر ما تساوي قابليتك لأن تكون أداة. لا أحد يسألك: هل أنت سني أم شيعي؟ بل: هل يمكن استخدامك؟ هل يمكن توظيف خوفك؟ هل يمكن دفعك لتقاتل في الاتجاه الخطأ؟
لسنوات طويلة، جرى إقناع شعوب المنطقة بأن صراعها الحقيقي هو صراع “سني–شيعي”، وأن الخطر يكمن في الجار المختلف معك، لا في من يعيد رسم الخرائط ويحدد مسارات الحروب. وهكذا، تحوّل الخلاف إلى وقود دائم، وتحولت المجتمعات إلى ساحات صراع مفتوح.
وحين ننظر إلى سلوك القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تتضح الصورة أكثر: المعيار ليس العقيدة، بل المصلحة. تتحالف حين يخدمها التحالف، وتواجه حين تقتضي الحاجة المواجهة، أما الطائفية؟ فهي مجرد أداة جاهزة للاستخدام.
انظر إلى ما حدث بعد: لم يكن الانقسام الطائفي سببًا للحرب، لكنه كان أداتها الأخطر بعدها، دولة أُضعفت، ومجتمع انقسم، وصراع داخلي استُنزف فيه الجميع… بينما كانت النتيجة النهائية تخدم من بدأ اللعبة، لا من احترق داخلها.
المفارقة المؤلمة أن كثيرين ما زالوا يصرّون على خوض المعركة الخطأ. يوجّهون غضبهم نحو بعضهم البعض، بينما تُدار اللعبة في مستوى آخر. السني يقاتل الشيعي دفاعًا عن هوية، والشيعي يقاتل السني بنفس المنطق… وفي النهاية كلاهما يخسر، لأن ساحة الصراع لم تُرسم لخدمتهما أصلًا.
دعنا نكون أكثر صراحة: السني الذي يكره الشيعي، والشيعي الذي يكره السني، كلاهما يؤدي الدور المطلوب منه بدقة. كلاهما يُضعف نفسه بنفسه. كلاهما يقدّم خدمة مجانية لمن لا يريد له أن يستقر أو ينهض.
هذه ليست مبالغة… هذه هي الطريقة التي تُدار بها الصراعات.والأخطر من ذلك، أن الضحية قد يتبنى الرواية نفسها التي صيغت لإضعافه، فيقاتل بها، ويدافع عنها، ويظن أنه على حق.
في النهاية، السؤال ليس: كيف يروننا؟بل: لماذا نصرّ نحن على أن نرى أنفسنا بالطريقة التي تخدم صراعاتهم؟
الرسالة التي يجب أن تُفهم بوضوح:لن يُسأل أحد عن مذهبك حين تُرسم الخرائط… بل عن مدى قابليتك لأن تُستخدم.
إما أن تُدرك اللعبة… أو تبقى فيها… كأداة.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





