خبير اقتصادي لـ«عين ليبيا»: أكثر من 90% من احتياجات ليبيا مستوردة والأسعار مرهونة بالدولار

تلقي الأزمات الاقتصادية المتلاحقة بظلالها على الأسواق الليبية، حيث يتأرجح المواطن بين تذبذب أسعار السلع الأساسية المربوطة بسعر الصرف، واختناقات توزيع الوقود التي تعمق معاناة المناطق الجنوبية على وجه الخصوص، هذا المشهد المعقد، المدفوع بالاعتماد الشديد على الاستيراد الخارجي بنسبة تتجاوز تسعين بالمئة، يضع السياسات النقدية واللوجستية للدولة تحت مجهر التقييم لبيان أسباب الانفلات السعري ونشاط شبكات التهريب.

وفي هذا السياق، يضع الخبير الاقتصادي وحيد الجبو النقاط على الحروف في تصريح خاص لشبكة عين ليبيا، مشرحا أبعاد الأزمة الحالية ومستشرفا الحلول لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.

وأكد الجبو لشبكة عين ليبيا أن تقييم الوضع الحالي للأسعار في السوق الليبي يرتبط بشكل مباشر بعوامل محددة تدفعها للارتفاع والتذبذب، وفي مقدمتها سعر الدولار، مبينا أن ليبيا دولة مستهلكة وتستورد أكثر من تسعين في المئة من احتياجاتها من السلع، وبالتالي فإن الأسعار مربوطة بسعر العملة الصعبة التي تباع في البلاد، كما أشار إلى أن العوامل التي تدفع الأسعار للارتفاع تشمل تقلب سعر الدولار، لافتا إلى أن الدولار مستقر إلى حد ما في الوقت الراهن من خلال المصارف التجارية ومصرف ليبيا المركزي عند سعر معين يصل إلى ستة دينارات ونصف، ولكن هناك هوامش ربح إضافية وتكاليف التخزين والنقل تجعل كل شيء يسعر وفقا للدولار، فضلا عن وجود انفلات في بعض الأسعار نتيجة عدم متابعة المحلات التجارية وتجار التجزئة الذين يمارسون ممارسات استغلالية ويزيدون الأسعار قصدا تعمدًا.

وحول مدى تأثير أزمة الوقود على حركة السوق وسلاسل الإمداد، أوضح الخبير الاقتصادي وحيد الجبو أن الوقود مستقر ومتوفر في كميات كبيرة تفوق حاجة ليبيا ويتم تهريب الفائض منه، لكن تحدث أزمات ناتجة عن عدم التنظيم أو سوء توزيع الوقود على المحطات الخاصة، بالإضافة إلى وجود احتياج كبير لدى محطات توليد الكهرباء لهذا الوقود، حيث يحدث نقص من وقت إلى آخر بسبب استخدام محطات الكهرباء للوقود المأخوذ من شركة النفط، وهي الجهة المسؤولة عن توزيع وقود السيارات سواء البنزين أو غيره، مجددا تأكيده أن ارتفاع الأسعار مرتبط بالطلب والعرض وسعر الدولار المحدد من مصرف ليبيا المركزي والسوق الموازية.

وفيما يتعلق بانعكاس أزمة الدولار وسعر الصرف على أسعار السلع، أفاد الخبير الاقتصادي وحيد الجبو بأن توقف المصارف التجارية ومصرف ليبيا المركزي عن فتح الاعتمادات يدفع التاجر نحو السوق الموازية، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار كون السوق الموازية أغلى من أسعار المصرف المركزي، فضلا عن تأثر أسعار السلع الأساسية بالغلاء في الأسواق الدولية، معتبرا أن الأسعار في ليبيا تعتبر إلى حد ما لا تتناسب مع الدخل.

وبشأن القطاعات والمناطق التي تتضرر من اضطراب إمدادات الوقود، ذكر الخبير الاقتصادي وحيد الجبو أن المناطق الواقعة على الساحل الشمالي وموانئ طرابلس والخمس ومصراتة وبنغازي ودرنة تصلها إمدادات الوقود تباعا، وإن كان يحدث تعطيل أحيانا نتيجة سوء إدارة التوزيع على المحطات، مستدركا بأن المشكلة الحقيقية تكمن في وصول الوقود إلى الجنوب الليبي البعيد جدا، حيث تبعد بعض المدن عن طرابلس وبنغازي ومصراتة بأكثر من ألف كيلومتر، مما يجعله أكثر المناطق اضطرابا في عمليات الوقود.

وعن الحلول المتاحة لخفض أزمة الأسعار، أوضح الخبير الاقتصادي وحيد الجبو أن الحلول تنقسم إلى نوعين؛ حلول سريعة تتطلب تحفيز الإنتاج وتنويع مصادر الدخل للاقتصاد الليبي والحد من الاعتماد الكلي على النفط، وحلول طويلة المدى تتطلب إقامة مشروعات اقتصادية أخرى تعزز الخزينة الليبية والدخل من خلال مشروعات زراعية وصناعية، مستشهدا بامتداد الساحل الليبي على طول ألفي كيلومتر وموقعه الاستراتيجي كبوابة لشمال أفريقيا، مما يتيح استغلال الأراضي في تجارة العبور بين أوروبا وأفريقيا، إلى جانب ضرورة إعادة هيكلة الاقتصاد الليبي والنظر في الكثير من المؤسسات.

وحول تقييمه لدور الدولة والجهات الرقابية في ضبط الأسعار، أشار الخبير الاقتصادي وحيد الجبو إلى أن القانون التجاري الليبي يؤكد على مبدأ العرض والطلب لتحديد السعر، لكن هناك استثناءات تقوم بها الأجهزة الرقابية مثل هيئة الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة وجهاز الحرس البلدي، والذين يقومون من وقت إلى آخر بمكافحة تهريب البضائع خارج الحدود الليبية والذي يؤثر في ارتفاع الأسعار، إلى جانب محاربة الاحتكار وغسيل الأموال الممنوعة قانونا في ليبيا، مؤكدا أن هذه الممارسات الخاطئة تسبب زيادة أسعار السلع وجبت مقاومتها.

وفي استشرافه للسيناريو المتوقع للأسعار خلال الأشهر القادمة، بين الخبير الاقتصادي وحيد الجبو أن المسألة ليست أزمة وقود بل سوء إدارة في التوزيع أو اضطرابات بحرية تؤدي أحيانا لتأخر وصول السفن المحملة بالوقود، مبينا أن مصانع ليبيا في مصفاة الزاوية تنتج فقط خمسة وعشرين بالمئة من الاحتياجات المحلية، بينما يتم استيراد سبعين بالمئة من الخارج، وعند حدوث اضطرابات في البحر يتأخر رسو السفن بالموانئ وتحدث الأزمة، مؤكدا أن الوقود متوفر بكميات كبيرة وتجري عمليات تهريبه لدول الجوار وللبحر بسبب سعره المغري وغير المجدي اقتصاديا والذي يسبب خسارة للاقتصاد، لتصنف ليبيا كأرخص دولة في العالم في بيع الوقود، واختتم بالإشارة إلى أن المدن الساحلية التي تضم ثمانين بالمئة من الشعب الليبي يصلها الوقود تباعا دون أزمة باستثناء بعض الاختناقات، بينما تتركز المعاناة في الواحات البعيدة والمناطق الصحراوية والقرى في عمق الأراضي الليبية.

هذا وتشهد فيه الأسواق الليبية ضغوطا معيشية متزايدة وتذبذبا في أسعار السلع الأساسية نتيجة عدم استقرار أسعار الصرف في السوق الموازية والاعتماد الشديد على الاستيراد الخارجي لتغطية الاحتياجات المحلية. وتبرز أزمة توزيع الوقود، خاصة في مناطق الجنوب الليبي، كأحد التحديات الهيكلية الناجمة عن صعوبة العمليات اللوجستية والانقسام الإداري، فضلا عن ظاهرة التهريب العابر للحدود المدفوعة بالدعم الحكومي الكبير لأسعار الطاقة، مما يضع الأجهزة الرقابية والتنفيذية أمام مسؤولية ضبط الأسواق وإيجاد بدائل اقتصادية مستدامة بعيدا عن الريع النفطي.

اقترح تصحيحاً