تُعد أزمة السيولة من أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه ليبيا خلال السنوات الأخيرة، لما لها من تأثير مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، وحركة الأسواق، ونشاط القطاعات التجارية والخدمية، وفي ظل استمرار الجدل حول أسباب الأزمة وسبل معالجتها، تتزايد الدعوات إلى البحث عن حلول عاجلة ومستدامة تضمن استقرار النظام المالي وتحسين الثقة في القطاع المصرفي.
وحول ذلك، قال الخبير الاقتصادي والمصرفي أبو بكر طور لشبكة عين ليبا إن الحقيقة، ومقارنة بالسنة الماضية 2025، نستطيع القول إن حدة هذه الأزمة قد انخفضت قليلاً بسبب تضييق الخناق على تجار السوق السوداء التي كانت تستحوذ على السيولة التي يتم امتصاصها من المصارف والتي كانت تتولى عمليات ما يسمى بحرق الدينار الليبي مقابل الصكوك والحوالات، وبخصم نسب مالية على السحب النقدي، وتولى المركزي بإجراءات تشجيع المواطنين على التعامل بالبطاقات المصرفية ونقاط البيع بدلًا من الشراء بالنقد.
وأضاف أبو بكر طور أن من بين الأسباب الرئيسية أيضًا والتي فاقمت أزمة السيولة هي سيطرة بعض الجهات والشركات المتنفذة والتي تحتفظ بحسابات جارية بأرصدة كبيرة، وهذا من حقها، مما تسبب في نقص السيولة التي تم استلامها من المركزي لتغطية سحوبات المواطنين، وقد تنبه المصرف المركزي لهذا الشرخ وتولى تمكين هذه الشركات من سحب احتياجاتهم مباشرة من المصرف المركزي.
وأشار إلى أن من الأسباب الرئيسية الأخرى هي عزوف التجار والموردين عن التعامل مع مصارفهم، وقاموا بتغيير مسار تعاملهم بالعملة المحلية مع السوق السوداء وحرمان المصارف من الاستفادة من هذه الأموال بسبب سهولة الإجراءات المالية بهذا السوق وسرعة الإجراءات والتحويل رغم مخاطر هذا التعامل.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن تأثير السياسات المصرفية الحالية أدى إلى ندرة النقد الكاش في الأسواق المحلية، وحيث إن المعاملات المصرفية التقليدية وتأخير الإجراءات ساهمت في عزوف أصحاب الأموال عن التعامل مع المصارف وفقدان الثقة مع عدم قدرة هذه المصارف على الإيفاء بالالتزامات النقدية عند المطالبة بسحب جزء أو كل الرصيد، مع انتشار شبهات فساد بعض مسؤولي هذه المصارف، وعدم قدرة المنظومة المصرفية على تقديم الخدمات المتكاملة بالسرعة التي يبحث عنها العملاء، وارتفعت نسب العمولات والمصاريف على معاملاتهم.
وبالنسبة لتقلبات أسعار النفط وعلاقته بالسيولة، يرى أبو بكر طور أن هذه التقلبات تعد عاملاً مهمًا في تفاقم أزمة السيولة، حيث ترتفع الضغوط النفسية على أصحاب الفوائض المالية نتيجة لانخفاض قيمة العملة المحلية، فيتم اللجوء إلى استبدال أموالهم إلى العملات الأجنبية التي تتم بالاستقرار.
وأشار إلى أن أبرز القطاعات أو الفئات الأكثر تأثرًا بنقص السيولة هم المتعاملون بالنقد الكاش، ومن الشرائح الضعيفة في المجتمع الذين لا يملكون حسابات مصرفية، وخاصة المشاريع الصغرى والمتوسطة ومتناهية الصغر وأصحاب المهن التي تتعامل بالأجر اليومي.
وأضاف أبو بكر طور أن من ضمن الإجراءات التي يجب على المصرف المركزي اتخاذها لتخفيف الأزمة:
١- السماح للمصارف التجارية بالتعامل بالنقد الأجنبي بيعًا وشراءً.
٢- عودة الإجراءات السابقة إلى مصارف في فتح الاعتمادات المستندية بشكل يضمن تنفيذ التوريدات حسب الأعراف الدولية المعتمدة وعدم التعثر في التنفيذ.
٣- منع دخول أي سلعة خارج إطار العمليات المصرفية.
٤- تفعيل شركات التفتيش السابقة التابعة للدولة والتي تضم خبراء وأساتذة الجامعات ومتخصصين في جميع المجالات وفرض إجراءات التفتيش على أي سلعة تورد إلى البلد.
٥- ضرورة إجراء تغييرات دورية لرجال حرس الجمارك في المنافذ المختلفة مع رفع المزايا العينية لهم.
كما دعا إلى قفل دكاكين الربا في الأسواق السوداء التي تتعامل بالعملة المحلية والعملات الصعبة بدون تراخيص وأذون مزاولة بيع وشراء، مؤكدًا أن جميع النقاط المذكورة سلفًا هي حلول مستدامة وطويلة المدى تضمن توافر النقد في السوق الرسمي بدلًا من السوق الموازي الذي لا يعترف بالدولة ولا يلتزم بدفع ما عليه من استحقاقات، ومنع المضاربة بقوت المواطن.

اترك تعليقاً