أثار رجل الأعمال حسني بي والخبير الاقتصادي مختار الجديد جدلًا بشأن أزمة الدولار في ليبيا، مع طرح رؤيتين مختلفتين حول الاعتمادات المستندية والسوق الموازية وآليات توزيع النقد الأجنبي.
وقال رجل الأعمال حسني بي في منشور عبر صفحته على فيسبوك إنه يتفق مع المطالب الداعية إلى تشديد الرقابة على الاعتمادات وملاحقة أي فساد أو اعتماد وهمي، لكنه يختلف مع اختزال الأزمة الليبية في عبارة «فلوس الشعب راحت اعتمادات».
وأوضح حسني بي أن الاعتماد المستندي، وفق رؤيته، ليس أصل المشكلة، وإنما أداة لبيع النقد الأجنبي وتمويل الواردات.
وأشار إلى أن خصوصية الاقتصاد الليبي تتمثل في اعتماد الجزء الأكبر من الإيرادات العامة على النفط والغاز بالدولار، في حين يجري الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي المحلي، بما يشمل المرتبات والدعم والتسيير والتنمية، بالدينار.
وأضاف أن الحكومة والمصرف المركزي لا يستطيعان، وفق طرحه، تمويل هذا الإنفاق من الإيرادات المحلية وحدها، ما يجعل تحويل جزء من الإيرادات النفطية إلى الدينار عبر بيع الدولار أمرًا ضروريًا، سواء من خلال الاعتمادات أو الحوالات أو الأغراض الشخصية.
وقال إن المحروقات شكلت في 2024 نحو 72% من الإيرادات الحكومية و93% من الصادرات، معتبرًا أن السؤال الأساسي لا يتعلق ببيع الدولار، وإنما بسعر بيعه وحجم المبيعات ومصدر الدنانير التي تطلب شراءه.
ورأى حسني بي أن بيع الدولار الرسمي بسعر يقل كثيرًا عن السعر الذي يوازن العرض والطلب يؤدي إلى نشوء فجوة سعرية تتحول إلى ريع لمن يستطيع الوصول إلى الدولار الأرخص، سواء كان مستوردًا حقيقيًا أو مستفيدًا من الأغراض الشخصية أو غير ذلك، مضيفًا أن تغيير المستفيد لا يلغي الريع وإنما ينقله من شخص إلى آخر.
واستند في طرحه إلى ما قال إنه موقف لصندوق النقد الدولي، موضحًا أن الصندوق لا يضع أصل الاختلال في الاعتمادات، بل في المالية العامة، ويشير إلى تجاوز الإنفاق مستويات مستدامة، وإلى أن العجز المالي الكبير يضغط على الاحتياطيات وسعر الصرف والتضخم.
وأشار إلى تقديرات لفاتورة الأجور بنحو 30% من الناتج، ودعم الطاقة بنحو 20% من الناتج.
وبناء على ذلك، قال حسني بي إن ترتيب أولويات الإصلاح يجب أن تحدده الأرقام، وطرح تقديرًا تحليليًا شاملًا للإنفاق الفعلي، لا يقتصر على ما يظهر في بيان الخزانة، يفترض تجاوز الإنفاق 270 مليار دينار.
وبحسب تقديره، تمثل المحروقات والطاقة نحو 40% من الإنفاق، بما يزيد على 100 مليار دينار، فيما تمثل المرتبات نحو 28%، بما يعادل نحو 76 مليار دينار، والتنمية شرقًا وغربًا نحو 20%، بما يعادل نحو 54 مليار دينار، بينما يبقى نحو 12% للتسيير وبقية الدعم والالتزامات.
وشدد حسني بي على أن هذه النسب تقدير تحليلي شامل وليست تصنيفًا منشورًا بهذه الصورة في بيان مصرف ليبيا المركزي، مشيرًا إلى أن البيانات الرسمية لا تظهر كامل كلفة الوقود بالطريقة نفسها، خصوصًا مع تاريخ المقايضة والنفقات خارج الأبواب التقليدية.
وأضاف أن البنك الدولي أشار إلى أن إنهاء نظام مبادلة النفط بالوقود في 2025 أدى إلى ظهور جزء أكبر من دعم الوقود بصورة صريحة داخل الموازنة.
ورأى حسني بي أن هذه المعطيات تجعل من الصعب، وفق طرحه، اعتبار الاعتمادات أكبر مشكلة في الاقتصاد الليبي، في ظل ما وصفه بفواتير الطاقة والأجور التي تستهلك الجزء الأكبر من الموارد العامة.
وفي ما يتعلق بالسوق الموازية والتهريب والمضاربة والفساد في الاعتمادات والوقود، قال حسني بي إنه لا يبرئ مرتكبي هذه الممارسات، لكنه يرى أن جزءًا كبيرًا منها يمثل نتائج لفجوات سعرية نتجت عن السياسات الاقتصادية.
وأضاف أن وجود سعرين للدولار يؤدي إلى المراجحة، وأن بيع الوقود بأقل بكثير من قيمته الاقتصادية يؤدي إلى التهريب، بينما يؤدي تجاوز الإنفاق للموارد وتمويله نقديًا إلى زيادة الدنانير التي تطارد الدولار والسلع.
ودعا حسني بي إلى ضبط الإنفاق وتوحيد سعر الصرف عند مستوى قابل للاستمرار وإلغاء ريع فرق السعر واستبدال دعم السلعة بدعم المواطن، إلى جانب تشديد الرقابة على التجارة والتحويلات.
وقال إن الاعتمادات تصبح، وفق هذه الإجراءات، أداة لتمويل التجارة بدلًا من كونها مصدرًا للريع.
في المقابل، طرح الخبير الاقتصادي مختار الجديد في منشورات عبر صفحته على فيسبوك مواقف تنتقد ما وصفه بالطرح الأكاديمي لمعالجة السوق الموازية وتنظيم الاستيراد، داعيًا إلى منح المواطنين حق الحصول على الدولار بصورة متساوية.
وقال الجديد إنه سيعلق مطلب التوزيع العادل للدولار لمدة شهر، لإتاحة الفرصة أمام من وصفهم بالأكاديميين والاقتصاديين لتطبيق ما يطرحونه من حلول لضبط السوق الموازية وتنظيم الاستيراد.
وأضاف أنه في حال عدم نجاح هذه الحلول، فعلى أصحابها، بحسب تعبيره، التنحي جانبًا والكف عن طرح ما وصفه بالكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
وفي منشور آخر، طرح الجديد فكرة عكس آلية الحصول على الدولار، وقال إن التجار يحصلون على الدولار من المصرف ثم يبيعون جزءًا منه في السوق الموازية، معتبرًا أن ذلك يجعل من مصلحتهم زيادة سعر الصرف في السوق الموازية.
واقترح منح الدولار للمواطنين بدلًا من التجار، على أن يبيعه المواطنون للتجار، وقال إن ذلك سيحوّل التجار من بائعين إلى مشترين للدولار، وبالتالي، وفق رؤيته، سيصبح من مصلحتهم العمل على خفض سعر الدولار في السوق الموازية بدلًا من رفعه.
كما نشر مختار الجديد تعليقًا ساخرًا بشأن المصالحات بين المدن، قال فيه إنه اكتشف أنه كان هناك خلاف مع مدينة الزاوية قبل أن يجري صلح معها، متسائلًا عن سبب عدم الإعلان مسبقًا عن النزاعات والمصالحات حتى يتمكن المواطنون من اتخاذ احتياطاتهم.
وتأتي هذه الطروحات في سياق نقاش أوسع حول إدارة النقد الأجنبي في ليبيا، ودور الاعتمادات المستندية والسوق الموازية والإنفاق العام ودعم الطاقة في الاقتصاد، مع اختلاف واضح بين حسني بي ومختار الجديد بشأن الأولويات والآليات المناسبة لمعالجة أزمة الدولار.





