بلاستيكو

ستر الله باقي ..‏

ستر الله باقي ..‏

في هذه الحقبة المخيفة من تجربة ليبيا وذاكرتها، وفي أشهر يظل الشك وعدم الفهم فيها ‏العنوان الأول والرئيس لوطن لا يزال ملقىً في غرفة الإنعاش، وبعد ‏الدعاوى الأخيرة من ‏البعض لاتخاذ الفيدرالية حلاً لجوع أطفال جنود المناطق البعيدة عن العاصمة، يرفع بعضنا ‏قناع الحضارة لإظهار دمامة تخلفنا ‏السياسي والفكري والثقافي، وغرقنا في مزدوجات الاتفاق ‏والوطنية، والاختلاف والخيانة، وليبين لنا أن تصرفات الطاغية كانت نتاجاً لثقافة محلية ‏موغلة ‏في الجهل وضيق الأفق، وأن آخرين شرعوا في استعمال الأسلوب نفسه، فقط لأنهم هم ‏من يجلس خلف المدفع هذه المرة ..‏

دعاوى الفيدرالية – بغض النظر عن اتفاقك أو اختلافك معها – جوبهت بهجوم شديد من قبل ‏مناهضيها، هجوم حمل لهجة الخيانة والانقسام والانفصال ‏وخذلان الشهداء وغيرها من ‏المهاترات والمزايدات التي تعبق برائحة قذافية خالصة، وهو أمر متوقع من رجل الشارع الذي ‏تربى على ثقافة الرأي الواحد ‏لعقود طويلة، والذي تعود الحكم بالوطنية لكل من يشاطره الرأي، ‏وبخيانة وعمالة كل من يقف على الطرف الأخر من المركب، غير أن مرارة الثورة ‏تجلت ‏عندما ظهر إلينا رئيس مجلسنا المؤقت، فخامة السيد المستشار مصطفى عبد الجليل، ‏متهماً بالخيانة الآلاف جملة واحدة، الآلاف من المواطنين الذين فت ‏سواعدهم حكم مركزي ‏يجامل الكتائب والمدن التي تحتل العاصمة، وينسى البعيد والضعيف والفقير، سيادة المستشار ‏‏- وزير عدل النظام السابق – وزع التهم ‏يمينا وشمالاً بالجملة، وأدهش المواطن الليبي البسيط ‏بكفاءة الحكومة التي رغم فشلها في تشكيل جيش متين إلى حد الآن، استطاعت تكوين جهاز ‏استخبارات ‏فذ يتجسس هنا وهناك، ويجلب للمستشار تقارير تفيد “بضلوع دول عربية شقيقة في ‏مخطط لتقسيم ليبيا”، في تكرار ممل لنظرية المؤامرة الصدئة، دون أن ‏يخطر ببال سعادته ‏احتمال مشروعية الأسباب التي أدت إلى هكذا مطالب، ودون أن يتكرم بالتواصل مع أصحاب ‏الدعوة وفهم مسبباتهم وسبل حلها بطريقة ‏تبين للمواطن اتساع ليبيا فعلاً للجميع. يحضرني هنا ‏عبارة شهيرة قالها “اللي ما يتسمى” في خطاب “زنقة زنقة” الشهير .. “دول عربية شقيقة للأسف” ‏‏.. وما ‏أشبه اليوم بالأمس

التقط الدعوة والضوء الأخضر إعلامنا الموجّه، والذي استطاع بإيعاز من الحكومة إثبات أنه لا ‏يوجد في ليبيا إلا رأي واحد، وأن الفيدرالية مضرة بالصحة ‏تماماً كالسجائر والنفاق، وأن كل من ‏ينادي بالفيدرالية كحل لمشكلة المركزية التي لا تزال قائمة هو خائن وعميل ويجب الإلقاء به ‏إلى حطب جهنم، خصوصاً ‏أنه خالف فتوى صريحة من سماحة المفتي الوحيد، توضح بأن ‏كل من يدعو للفيدرالية قد خالف الشرع والدين وعصى الله ورسوله، في استحضار ‏لتجارب ‏مريرة خلط فيها نابل الدين بحابل السياسة والآراء الشخصية التي تحتمل الخطأ ‏والصواب، وفي مخالفة لنظرية الإمام الشافعي عليه رحمة الله ” رأيي ‏صواب يحتمل الخطأ ‏ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”‏

وبالطبع كان على رأس المهددين والمتوعدين سعادة البيه الوزير “فوزي عبدالعال” الذي فشل ‏حتى الآن في فرض سيطرة وزارته على المنافذ البرية ‏والبحرية في المناطق الغربية، والذي هدد ‏بالدم كل “الانقساميين والانفصاليين” على حد تعبيره، مستقوياً ببعض أبناء ليبيا على البعض ‏الآخر، وناسياً – أو ‏متناسياً – أن فرسان برقة هم من سلموا المنافذ التي تتحكم فيها وزارته ‏طوعاً ، وأنهم قاتلوا جنباً إلى جنب مع أخوتهم من فرسان مصراتة في شارع ‏طرابلس، وأن بث ‏الفتن بين أبناء الوطن ليس من شيم العقلاء .. ولا من شيم الرجال ..‏

عند ظهور مسائل وطنية مهمة في بلد مثل ليبيا يعج بالسلاح والجراح العميقة، فإن الحكمة ‏تقضي باستخدام خطاب احتواء وتهدئة، لمناقشة القضايا ‏بموضوعية وعقلانية، ولإقناع ‏المواطن بحقه في التعبير عن رأيه، وحق غيره في الاختلاف مع هذا الرأي، بعيداً عن الإقصاء ‏الفكري والسياسي، غير أن ‏ما قام به المجلس ومن خلفه الإعلام والمفتي ووزير الداخلية من ‏تأليب للشارع المدجج بالسلاح ضد بعضه، وإقناع جزء من الرأي العام بخيانة الجزء الآخر، ‏هو ‏تصرف أرعن، الأمر الذي انفجر اليوم في بنغازي، وسقط بسببه مواطنون يحملون الجنسية ‏الليبية ويحميهم القانون الذي يفترض أن يحرص الجميع على ‏تطبيقه، سقطوا في مظاهرة ‏سلمية كان الأولى على وزير الداخلية حمايتها بدل التهديد والوعيد، انطلاقاً من حق المواطن ‏في التعبير عن رأيه بالطرق ‏السلمية، ومن أن واجب الدولة – ممثلة في وزارة الداخلية – حماية ‏هذا المواطن تحت كل الظروف

أرى هنا أيها السادة ثورة سرق منها حق التعبير، وشهداء دفنوا تحت التراب لتكمم الأفواه ‏مجدداً، وأمهات ثكلت ليقوم كل من سيادة المستشارة وسماحة المفتي ‏ومعالي وزير الداخلية ‏بفرض رأي واحد على الوطن، وأرى الوطن يذوب شيئاً فشيئاً خلف بعبع ………. ستر الله ‏باقي ..‏

لك الله يا وطناً يعج بالتهم المعلبة الجاهزة للالتصاق عند أول اختلاف .. اليوم صار شديد ‏الشبه بالأمس .. والتخلف والتعصب كالعادة قاسم مشترك ..‏

حفظ الله ليبيا

أحمد بن موسى

ahmed.benmussa@yahoo.com

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

اترك تعليقاً