كثف الجيش الإسرائيلي، ليل الأربعاء وفجر الخميس، الغارات الجوية والقصف المدفعي وعمليات تفجير المنازل والبنى التحتية في مناطق عدة بجنوب لبنان، بالتزامن مع تحذيرات لبنانية من تداعيات استمرار الخروقات الإسرائيلية على التفاهمات والترتيبات القائمة.
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان بأن الجيش الإسرائيلي قصف بالمدفعية أطراف بلدة زوطر الشرقية باتجاه ميفدون، كما استهدف وادي الحجير ووادي السلوقي، بالتزامن مع تفجيرات في بلدة المنصوري.
وقالت الوكالة إن الطيران الإسرائيلي شن غارة على المنصوري بالتزامن مع تفجير داخل البلدة، فيما نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرًا وصفته الوكالة بـ«الضخم جدًا» في بلدة بني حيان بقضاء مرجعيون.
وفي قضاء صور، قالت الوكالة إن الجيش الإسرائيلي واصل عمليات تفجير المنازل والبنى التحتية في المنصوري ومشاعها، بالتزامن مع القصف المدفعي.
وأضافت أن البلدة شهدت منذ منتصف ليل الأربعاء أكثر من 10 تفجيرات عنيفة، تسببت في ارتجاجات قوية شعر بها سكان مدينة صور والقرى المحيطة.
وأفادت الوكالة كذلك بتنفيذ القوات الإسرائيلية تفجيرًا في بلدة رشاف، فيما استهدف القصف المدفعي مركز دوحة كفر رمان وأطراف تلة الدبشة، إلى جانب غارتين على النبطية الفوقا والخيام.
وفي رواية منفصلة، أفاد مراسل RT بأن قصفًا مدفعيًا إسرائيليًا استهدف وادي الحجير ووادي زبقين، فيما أشارت الوكالة الوطنية للإعلام إلى استهداف وادي السلوقي وأطراف زوطر الشرقية لجهة ميفدون، إضافة إلى التفجيرات في بني حيان والمنصوري.
ولم ترد معلومات فورية عن حجم الأضرار أو الخسائر البشرية الناتجة عن العمليات الإسرائيلية الأخيرة.
ويأتي التصعيد وسط استمرار التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، رغم التفاهمات التي دخلت حيز التنفيذ في يونيو الماضي.
وأعلن الجيش اللبناني، الأربعاء، تسجيل نحو 7 آلاف و700 خرق إسرائيلي منذ توقيع اتفاق الإطار في 26 يونيو الماضي، محذرًا من أن استمرار هذه الخروقات يهدد التفاهمات والترتيبات القائمة.
وقال الجيش اللبناني إن إسرائيل صعدت خلال الأيام الماضية استهداف المناطق السكنية والمؤسسات، مشيرًا إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى، بينهم 12 قتيلًا على الأقل في الهجوم على بلدة كفر رمان في قضاء النبطية.
وكانت وزارة الصحة اللبنانية أعلنت مقتل 12 شخصًا جراء غارات إسرائيلية على كفر رمان.
وفي المقابل، تقول إسرائيل إن عملياتها تستهدف مواقع وعناصر تابعة لحزب الله، بينما تتهم السلطات اللبنانية إسرائيل بمواصلة الهجمات وانتهاك وقف إطلاق النار واستهداف مناطق مدنية.
ويتزامن التصعيد مع تحضيرات لجولة تفاوضية جديدة برعاية أمريكية، يُتوقع عقدها في العاصمة الإيطالية روما خلال سبتمبر الجاري، من دون إعلان لبناني رسمي عن موعدها.
وفي السياق السياسي، جددت الولايات المتحدة دعمها للحكومة اللبنانية ومضيها في فرض سيادة الدولة على كامل أراضيها.
وقالت السفارة الأمريكية في لبنان، في منشور على حسابها في «إكس» الخميس، إن جنوب لبنان «لا ينتمي إلى جهات إقليمية أو ميليشيات»، وأضافت أن الشعب اللبناني «يُبدي بوضوح تفضيله لمؤسسات الدولة اللبنانية على سلاح حزب الله».
وشددت السفارة الأمريكية على دعم الحكومة اللبنانية في هدفها المعلن المتمثل في فرض السيادة التي يتولى الجيش اللبناني إنفاذها، وضمان بقاء قرارات الحرب والسلم بيد الدولة حصرا.
ويأتي الموقف الأمريكي بالتزامن مع استمرار القوات الإسرائيلية استهداف قرى ومناطق في جنوب لبنان، وفق ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام ومراسل RT.
وفي ملف آخر مرتبط بتداعيات التصعيد، وثق تقرير صادر عن هيومن رايتس ووتش والعيادة الدولية لحقوق الإنسان في كلية الحقوق بجامعة هارفارد 23 واقعة لاستخدام القوات الإسرائيلية ذخائر الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان بين مارس ومايو 2026.
وقالت المنظمتان إن التقرير، الصادر في 45 صفحة تحت عنوان «حروق خارج السيطرة: الآثار اللاإنسانية لذخائر الفوسفور الأبيض والحاجة إلى قانون أقوى»، يوثق 23 واقعة جرى التحقق منها لاستخدام هذه الذخائر في جنوب لبنان خلال الفترة المذكورة.
وقالت مستشارة أولى في الأسلحة لدى هيومن رايتس ووتش ومحاضرة في العيادة الدولية لحقوق الإنسان بوني دوكيرتي إن ذخائر الفوسفور الأبيض «قد تتسبب بحروق بالغة الألم وأضرار جسدية ونفسية واجتماعية واقتصادية مدى الحياة».
ودعت دوكيرتي الدول إلى إدانة الاستخدام المستمر لهذه الذخائر، والدفع نحو مزيد من المحادثات الدولية بشأنها، وضمان أن يتصدى القانون الدولي للتكلفة البشرية لهذه الأسلحة.
وأوضح التقرير أن الفوسفور الأبيض يشتعل عند تعرضه للأكسجين، ويمكن أن يتسبب في حروق عميقة وأضرار تنفسية وعضوية.
وقالت المنظمتان إن استخدام الفوسفور الأبيض جوًا فوق مناطق مأهولة بالسكان يكون عشوائيًا وينتهك القانون الدولي الإنساني.
وأشار التقرير إلى أن البروتوكول الثالث لعام 1980 الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية، والمخصص لتنظيم الأسلحة الحارقة، لا يغطي ذخائر الفوسفور الأبيض بصورة كاملة، ما يترك، وفق المنظمتين، فجوة قانونية بشأن بعض أوجه استخدامها.
وامتدت تداعيات التصعيد إلى القطاع الزراعي اللبناني، إذ أعلن وزير الزراعة اللبناني نزار هاني أن الاعتداءات الإسرائيلية ألحقت أضرارًا بأكثر من 22.5% من الأراضي الزراعية في لبنان، بمساحة تتجاوز 56 ألف هكتار.
وقال هاني، عقب لقائه الرئيس اللبناني جوزاف عون، إنه أطلع الرئيس على «الأضرار الزراعية الكبيرة في الجنوب، والتي تخطت 22.5 بالمئة من الأراضي الزراعية، أي أكثر من 56 ألف هكتار».
وتشير بيانات وزارة الزراعة اللبنانية إلى أن نحو 56,264 هكتارًا من الأراضي الزراعية تأثرت، فيما بلغت المساحات المتضررة بصورة مباشرة نحو 18,559 هكتارًا، وسُجلت أضرار في 64 بلدة جنوبية شملت الأراضي الزراعية وشبكات الري والبنى التحتية والمنشآت المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
وقال هاني إن الوزارة تعمل على تأمين البرامج والمستلزمات للمزارعين لتمكينهم من الوصول إلى أراضيهم وحصاد محاصيلهم، مشيرًا إلى تعاونها مع الجيش اللبناني لتسهيل هذه العملية.
وأضاف أن العمل جارٍ على تأمين تمويل من مصادر متعددة لمعالجة الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي في الجنوب، من بينها مشروع مشترك مع البنك الدولي بقيمة نحو 40 مليون دولار، إلى جانب التعاون مع الجهات المانحة وشبكة شركاء القطاع الزراعي.
وقال هاني إن ما بين 6 و7 ملايين دولار تُقدم حاليًا بصورة مباشرة إلى المزارعين في شكل دعم ومساعدات زراعية، معربًا عن أمله في تأمين تمويل إضافي لإعادة تأهيل القطاع الزراعي في جنوب لبنان.
وفي ما يتعلق بتسويق المنتجات الزراعية، قال هاني إن محصولي التفاح والعنب يشهدان وفرة هذا العام، مشيرًا إلى أن السوق السعودية أصبحت مفتوحة أمام المنتجات الزراعية اللبنانية، وأن الخط البري عبر المملكة بات متاحًا باتجاه دول الخليج.
وأضاف أن لبنان يصدر حاليًا نحو ألفي طن من المنتجات الزراعية يوميًا، معربًا عن أمله في زيادة الكميات المصدرة.
وأشار إلى اتفاقه مع الرئيس عون على وضع آلية للتواصل مع الدول العربية لتسهيل تصدير المنتجات الزراعية، خصوصًا التفاح والعنب، كما أطلعه على الخطة الوطنية للزراعة 2027-2035 وخطة الاستثمار الزراعي.
وقالت وزارة الزراعة اللبنانية إن تقديرات أُنجزت بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أظهرت تجاوز الأضرار 22.5% من الأراضي الزراعية، مع تقديرات للخسائر والأضرار الزراعية بأكثر من مليار دولار.
وفي يونيو الماضي، سمحت السعودية باستئناف صادرات لبنان إلى المملكة بعد حظر فرضته الرياض عام 2021 على خلفية تهريب حبوب الكبتاغون.
وقالت السعودية إن قرار استئناف الصادرات جاء عقب إجراءات إيجابية اتخذتها بيروت في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة.
ويشكل استئناف الصادرات إلى السعودية ودول الخليج عاملًا مهمًا للقطاع الزراعي اللبناني، في ظل اعتماد المنتجين على الأسواق العربية لتصريف جزء كبير من المحاصيل.




