لم يكن تصنيف ليبيا في المرتبة الثالثة عالمياً على مؤشرات الفساد مجرد تقييم صادر عن منظمات دولية، بل هو نتيجة طبيعية ومباشرة لإصرار شبكات الفساد على نهب مقدرات الشعب الليبي جهاراً نهاراً، في بيئة تُكافِئ الفاسد بمنصب أعلى، وتُقصي كل مسؤول نزيه ومؤهل يقف في وجه العبث. وما يشهده قطاع الاتصالات اليوم يمثل النموذج الأكثر صدمة لعمليات “الاستيلاء على الدولة”، حيث تلاقت مصالح المال الفاسد مع استغلال نفوذ ضعاف النفوس لتمرير صفقات مشبوهة تسببت في إنهاك خزينة الدولة وتفكيك أصولها السيادية.
بدأت مأساة هذا القطاع عندما أقدم رئيس الشركة القابضة للاتصالات السابق على تنازل غير قانوني عن أكبر مشروع استراتيجي للبنية التحتية، وهو مشروع تزويد الحقول والموانئ النفطية بخدمات الاتصالات والربط الشبكي. هذا المشروع انطلق عام 2009 وتم تنفيذه بنجاح كامل بجهود الكوادر الهندسية الوطنية في شركة الجيل الجديد للتقنية التي تضم ما لا يقل عن ألف موظف، وبمساندة وتكامل ميداني مع شركة البنية التحتية، وهما كيانات وطنية مملوكة بالكامل للدولة. وبدلاً من حماية هذه الأصول ومكافأة المهندسين والعمال، جرى التنازل المباشر عن المشروع المكتمل لصالح شركة خاصة تُدعى روافد ليبيا.
إن شركة روافد ليست سوى مزود خدمة عادي، لكن التنازل منحها امتيازاً استثنائياً حَرَم الشركة الوطنية من عائداتها المشروعة، وأتاح للشركة الخاصة استغلال أصول البنية التحتية للمؤسسات العامة بتكاليف بخسة، لتُعيد بيع الخدمة ذاتها للجهات الحكومية والقطاع النفطي بأسعار مضاعفة عشرات المرات وبالعملة الصعبة.
وفي هذا السياق، يطرح المشهد علامة استفهام استنكارية حول موقف قطاع النفط الذي أبدى استسلاماً مريباً لهذه المكيدة؛ فبدلاً من ترشيد الميزانيات التشغيلية وحماية المال العام، انصاعت إدارة القطاع والشركات التابعة عبر إصدار توجيهات رسمية تُجبر المؤسسات النفطية على التعامل المباشر والعاجل مع الشركة الخاصة، وقبول شروطها المالية المرتفعة، وتمرير هذا الفساد تحت مبررات واهية كالتدريب المجاني وتقديم خدمات هامشية. لقد تحول قطاع النفط بذلك إلى ثقب أسود يلتهم الميزانيات التشغيلية ويستنزف موارد الدولة لصالح جهة خاصة دون أي مسوغ اقتصادي أو قانوني سليم.
ولم تكن الأجهزة الرقابية بمعزل عن هذه الأزمة؛ إذ ظهر تضارب صارخ بين موقف هيئة الرقابة الإدارية التي دافعت عن هذا التنازل في بدايته وألزمت الشركات النفطية بقبوله، وبين تقارير ديوان المحاسبة التي وثقت المخالفات المالية والفنية وحذرت من مخاطر تسليم ممرات البيانات والربط السيادي لكيان خاص.
امتد نفوذ التنازل ليشمل منح شركة روافد تعاقدات حصرية تتجاوز الحقول النفطية لتشمل مناطق أخرى. وعندما تولى إدارة القابضة رئيس جديد سعى لتصحيح المسار وأصدر قراراً بإيقاف تزويد شركة روافد بالإنترنت من المصدر الأساسي عبر شركة هاتف ليبيا، وأحالت النيابة العامة الملف للتحقيق بناءً على تقارير ديوان المحاسبة، سرعان ما تم إعفاء ذلك المسؤول، لتتم تسمية إدارة جديدة بادرت في أول قراراتها بالتوقيع على تعزيز التنازل لصالح الشركة الخاصة لضمان تدفق الأموال واستمرار النهب.
وأمام استماتة نقابات العمال في قطاع الاتصالات والتمسك بالقضايا المرفوعة أمام المحاكم بدعم من ديوان المحاسبة، حاولت الشركة القابضة الالتفاف على الخصومة القانونية عبر قرار مفاجئ بدمج شركة الجيل الجديد داخل شركة ليبيا للاتصالات والتقنية لمحو الصفة القانونية للشركة المُعتدى عليها وطمس ملف القضية. إلا أن هذا المخطط اصطدم بصدور تعليمات رسمية صريحة تقضي بإيقاف إجراءات الدمج وتعليق كافة الاجتماعات المتعلقة به، نظراً للآثار القانونية والمالية الخطيرة ولعدم استكمال الدراسات التفصيلية التي تحفظ أصول الدولة وحقوق العاملين.
إن النضال الذي خاضه رجال ونقابات الاتصالات لحماية شركة الجيل الجديد وشركة البنية لم يعد مجرد معركة إدارية محلية، بل أضحى واجباً وطنياً يستدعي توسيع نطاق القضية وتدويلها. لم يعد ممكناً أن يمر هذا الحجم من الفساد الاقتصادي في الخفاء؛ إذ يتوجب نقل هذه الممارسات إلى المرصد الدولي للجرائم الاقتصادية، وفريق الخبراء المعني بليبيا بمجلس الأمن، والهيئات الدولية لمكافحة الفساد لتشخيص هذه الحالة كجريمة استيلاء على الدولة وتوثيق التجاوزات المالية والرقابية. كما أن الخطوة التنفيذية المباشرة لتصحيح هذا الوضع تكمن في الإيقاف الفوري لتزويد شركة روافد بالإنترنت من المصدر الأساسي عبر شركة هاتف ليبيا، وقطع شريان الاستغلال الذي تعتمد عليه في استخدام أصول الدولة ضد الدولة نفسها.
ومن هذا المنطلق، تتجه الدعوة الوطنية إلى نقابات المحامين والقانونيين والمختصين والمهتمين بالشأن العام وكل الشرفاء في ليبيا، لترتيب صفوفهم ورفع قضايا جنائية ومدنية محلياً ودولياً ضد كل من أسهب وتسهل ووقع وأجاز هذا الفساد، وأضر بمصلحة الدولة العليا رعاية لمصالح شخصية ضيقة. إن ملاحقة هؤلاء المسؤولين والنافذين أمام القضاء الوطني والدولي باتت استحقاقاً تاريخياً لضمان عدم إفلاتهم من العقاب ومحاسبتهم على الإضرار بالميزانيات التشغيلية ومقدرات الوطن.
تحية إجلال لرجال الاتصالات والنقابيين الشرفاء الذين يقفون كالبنيان المرصوص في وجه الفاسدين. إن إصرارهم على المتابعة القضائية والدولية يبعث برسالة واضحة مفادها أن الحقيقة لن تموت، وأن نهب المال العام لن يسقط بالتقادم، والمعركة مستمرة حتى قطع يد الفساد، ومحاسبة جميع المتورطين، واسترداد كل درهم سُلب من أموال الشعب الليبي.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





