قُربان (الحداد).. ودولة الميعاد

قُربان (الحداد).. ودولة الميعاد

“الإهمال والعبث هو الوجه الآخر للمؤامرة.. والاستهتار هو بداية التآمر”

المؤامرة تبدأ من الداخل أولاً:

أياً كانت الأسباب التي هوت بطائرة الوفد العسكري الليبي ليلة الثالث والعشرين من ديسمبر.. سواء قدرية أو تقنية أو تخريبية فالنتيجة واحدة.. وهي أن رئيس الأركان العامة ورفاقه قضوا نحبهم نتيجة (مؤامرة) العبث.. وإهمال واستهتار مؤسساتي لمنظومة دولة ليبيا المصنفة السادسة على سلم الفساد في العالم.. لتصبح أرضا خصبة لكل دوائر التامر والتخابر الدولي.

في الوقت الذي يستمر فيه نزيف المليارات من المصرف المركزي وتتضخم الميزانيات ويخرج الإنفاق العام عن السيطرة، تعجز سلطات المنطقة الغربية عن امتلاك أوتوفير طائرات تنقل مسئوليها بأمان وكرامة.. ملتزمة بتطبيق بروتوكولات العبث والإهمال والاستهتار واللامسئولية ضمن أوصاف وفصول التراجيديا الليبية.. وفي لحظة غفلة وغدر تفتك طائرة (فالكون) ذات سبعة وثلاثين عاماً.. هجينة التوصيف (فرنسية الصنع، مالطية الملكية والتشغيل، ليبية الاستخدام، تركية التأمين) بشخصيات اعتبارية ورمزية في مشهد مؤلم وحزين وكارثي.. ويصحو الجميع من الصدمة بتوجيه التهم هنا وهناك وتشتعل فرضية المؤامرة وإلصاق التهمة بطرف ثالث.. والحقيقة أن التآمر يبدأ من الداخل قبل الخارج.. والتآمر أوله استهتار وعبث.

بدأت رحلة البحث عن الحقيقة فور انتهاء رحلة الطائرة المنكوبة.. ولكن رحلة معرفة حقيقة ما حصل للضحايا ستكون طويلة وشائكة وغامضة وربما لا نهاية قريبة لها.. لأن من صنع الحدث توليفة من أسباب وأطراف داخلية وخارجية لكل حساباته وأهدافه وترتيباته ومواقيته.. المؤامرة ليست فقط نظرية بل فرضية قائمة.. وليبيا أسيرة واقعها.. وضحية نقاط قوتها وضعفها.. تتشابك عندها القوى الإقليمية والدولية وتتصادم فيها ملفاتها ومصالحها.. منذ 2011 صارت ليبيا هي بلد (الميعاد) للمافيا العالمية وأجهزة المخابرات الدولية والإقليمية وأضحت ساحة تصفية الحسابات والعداوات واستنزاف الثروات.. معززة بإعادة تشكل نظام دولي جديد تضاربت الرؤى والمصالح على المستويات الرسمية وغير الرسمية والقوى الظلامية.. واتفق جميع اللاعبين في ملف الأزمة الليبية أن تبقى مكانك راوح وأن تظل ليبيا هي أرض الميعاد لكل الفاعلين للفوز بالحصص.

البحث عن الصندوق الأسود لسقوط ليبيا:

على مدى خمسة عشر عاما تعاني ليبيا كارثة الانزلاق للفوضى وسقوطها في أتون الصراعات والنهب والتفكك والإفلات من المحاسبة.. عجز جميع الفاعلون على إيجاد حل للأزمة السياسية واختلف الجميع على توصيف المشكلة بموضوعية وشجاعة.. واختفى (الصندوق الأسود) لسقوط الدولة عام 2011 لمعرفة حقيقة ما الذي حصل ل ليبيا وماذا يريد لها الكبار.

أكبر تحدي ستعاني منه ليبيا خلال العقود القادمة جراء مرحلة العبث واللامسئولية والتدمير الذاتي للدولة هو الأضرار البالغة والمستمرة التي تمس سيادتها ومكانتها وتآكل هيبتها وتشوه صورتها فضلاً عن فقدان الاحترام والاعتبار.. فها هو الصندوق الأسود للطائرة المنكوبة يتم التدليل به في سوق البحث عن حقيقة الكارثة.. وها هو رئيس أركان الجيش الجزائري يرتدي قفازات بيضاء متعففاً عن مصافحة أركان السفارة الليبية في الجزائر للتعزية في وفاة نظيره الليبي الراحل.. وربما لن يجد الجنرال (شنقريحه) مستقبلا أي حرج أن يمد رجليه لمصافحة المسئولين الليبيين ضمن حملة ازدراء إقليمية لبلد لا يحترم شعبه وكيانه وتاريخه.

رحل الحداد ورفاقه ليلة إتمام ليبيا أربعة وسبعين عاماً على اعتراف الأمم المتحدة بها دولة مستقلة.. كأنه اختار التاريخ ليلقى وجه ربه ويهرب من ليبيا المكلومة إلى جنات الخلد ويُبلغ الراحلين الأنقياء من الوطنيين الليبيين بأن الاستقلال الذي أُنجز قبل نيف وسبعين عاما اختفى ولم يعد له أثر.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

د. إسماعيل علي الشريف

كاتب وسياسي مستقل

اترك تعليقاً